مدينة الفقيه بن صالح تعتبر واحدة من المدن المغربية التي تمتلك ثروات طبيعية هائلة، حيث تقع في قلب منطقة غنية بالفوسفاط، الذي يعد من بين أهم الموارد الاقتصادية التي تعتمد عليها المملكة المغربية. بالإضافة إلى ذلك، تُعتبر الفقيه بن صالح موطنًا لواحدة من أكبر الجاليات المغربية المقيمة بالخارج، مما يجعلها تزخر بموارد مالية كبيرة من خلال التحويلات المالية التي يقوم بها أفراد الجالية لدعم عائلاتهم وتحسين ظروف المعيشة.
ورغم هذه الإمكانيات الاقتصادية الهائلة، تعاني المدينة من مظاهر فقر واضحة وضعف في البنية التحتية، حيث يعيش السكان أوضاعًا صعبة على مستوى الخدمات الأساسية. فعلى سبيل المثال، الوصول إلى الماء الصالح للشرب بات من المشاكل التي تؤرق العديد من الأسر، لدرجة أن صعود الماء إلى الطابق الأول من المنازل يشكل تحديًا يوميًا. هذا المشكل يعكس خللاً واضحًا في توزيع الموارد والاهتمام بالبنية التحتية التي تتطلب تحديثًا جذريًا.
الأمر لا يتوقف عند مشكلة المياه، بل تمتد المعاناة إلى اهتراء الطرقات والشوارع التي باتت في حالة يرثى لها، مما يزيد من معاناة المواطنين اليومية سواء في التنقل أو ممارسة حياتهم بشكل طبيعي. وهذا الوضع يثير تساؤلات حول مدى الاستفادة الحقيقية من الثروات الطبيعية التي تزخر بها المدينة.
على الرغم من أن الفوسفاط يُعتبر مصدرًا اقتصاديًا ضخمًا، إلا أن نسبة البطالة بين الشباب في الفقيه بن صالح لا تزال مرتفعة بشكل مقلق. هذا الوضع يدعو للتساؤل حول كيفية استغلال هذه الثروة الوطنية لتحسين الظروف المعيشية للسكان وتوفير فرص العمل للشباب العاطل، الذين يملكون القدرة والطاقة للمساهمة في التنمية المحلية، لكنهم يصطدمون بواقع يغيب فيه التخطيط المحكم والإدارة الناجعة.
بالإضافة إلى المشاكل السالفة الذكر، تفتقر مدينة الفقيه بن صالح إلى منطقة صناعية قادرة على جذب الاستثمارات وتنشيط الاقتصاد المحلي. في الوقت الذي تُعتبر فيه المناطق الصناعية إحدى الركائز الأساسية لتحفيز التنمية الاقتصادية، نجد أن المدينة محرومة من هذه البنية التحتية الضرورية، وهو ما يحد من قدرتها على جذب الشركات والمستثمرين، سواء المحليين أو الأجانب. وجود منطقة صناعية من شأنه أن يخلق فرص عمل جديدة ويحد من نسبة البطالة المرتفعة التي يعاني منها شباب المدينة.
والسؤال الذي يطرحه سكان الفقيه بن صالح باستمرار هو: لماذا لا يعمل المسؤولون المنتخبون على استقطاب الشركات الكبرى للاستثمار في مجالات اقتصادية واعدة، مثل الصناعات التحويلية التي تعتمد على تثمين الفوسفاط؟ يمكن لهذه الصناعات أن تضيف قيمة كبيرة إلى المواد الخام التي تزخر بها المنطقة، وتساهم في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، مما يساعد على تحسين مستوى المعيشة وتحقيق التنمية المستدامة.
كما أن الفقيه بن صالح تشتهر بقطاع فلاحي قوي، لكن غياب صناعات تحويل المنتجات الفلاحية إلى مواد قابلة للاستهلاك يُفقد المدينة فرصًا اقتصادية هائلة. يمكن أن تكون الصناعات المرتبطة بتحويل المنتجات الزراعية إلى مواد غذائية أو صناعية مجالاً واعدًا لتطوير الاقتصاد المحلي وجلب الاستثمار، خاصة إذا تم تسهيل الإجراءات وتقديم تحفيزات للمستثمرين.
أما فيما يتعلق بالجالية المغربية المقيمة بالخارج، التي تعتبر ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي من خلال التحويلات المالية الكبيرة، فإنه من المؤسف أن يتم تجاهل قدراتها الاستثمارية في المدينة. بدلًا من الاكتفاء بتلقي الأموال، يمكن للمسؤولين العمل على تهيئة الظروف المناسبة وتقديم الدعم والتسهيلات القانونية والإدارية لتشجيع أفراد الجالية على استثمار أموالهم في مشاريع تعود بالنفع على المدينة وتوفر فرص عمل لشبابها.
في النهاية، تظل الفقيه بن صالح مدينة تزخر بالثروات الطبيعية والبشرية، لكن غياب الرؤية الاستراتيجية لدى المسؤولين والمنتخبين هو ما يحول دون استغلال هذه الإمكانيات لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لسكانها. المطلوب اليوم هو تغيير جذري في طريقة التفكير والتدبير، وتبني سياسات أكثر جرأة وابتكارًا لتجاوز العقبات وجعل المدينة نموذجًا للتنمية المستدامة.
Views: 69

