اخباري ـ هشام العباسي
خطف الأنظار من الجماهير ومن نجوم المستديرة على حد سواء، ولم يحتج إلى هتاف أو قفزة أو احتفال صاخب ليدخل تاريخ المدرجات الإفريقية. مشجع كونغولي واحد، بصمته المطلق وثباته الغريب، حوّل مدرجات “كان 2026” بالمغرب إلى مسرح لرسالة رمزية عميقة، تجاوزت حدود كرة القدم.
في مشهد غير مسبوق، ظل المشجع الكونغولي ميشيل كوكا مبولادينغا واقفًا بلا حراك، صامتًا، لأكثر من تسعين دقيقة كاملة، طوال مباريات منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية، في صورة بدت في البداية صادمة، قبل أن تتحول إلى واحدة من أكثر اللقطات تداولًا وتأثيرًا في البطولة الإفريقية.

هذا المشجع، الذي أطلق عليه المتابعون لقب “لومومبا المدرجات”، أعاد إلى الأذهان ملامح الزعيم التاريخي باتريس لومومبا، أول رئيس للكونغو بعد الاستقلال سنة 1960، وأحد أبرز رموز التحرر الإفريقي. تشابه الملامح لم يكن وحده ما أشعل الجدل، بل الرسالة الصامتة التي حملها حضوره الثابت، وكأنه يؤدي تحية وقوف أبدية لروح قائد اغتيل جسدًا وبقي رمزًا.
ويرى عدد من المتابعين أن تصرفه لم يكن استعراضًا غرائبيًا ولا بحثًا عن الشهرة، بل فعلًا واعيًا، يحمل أبعادًا وطنية وتاريخية متجذرة في الذاكرة الكونغولية. فخلال كل المباريات، لم يبدُ عليه أي انفعال:
لا ابتسامة مع الأهداف، ولا انكسار مع الخسارة، جسد صلب، نظرة مشدودة نحو المستطيل الأخضر، وكأن الزمن توقف عنده وحده.
أسلوبه المختلف في تشجيع منتخب بلاده “الفهود” جعله حديث المدرجات في الرباط وطنجة، حيث تحوّل من مشجع عادي إلى رمز بصري وثقافي، سرق الأضواء من الجماهير، بل ومن نجوم المنتخبات أنفسهم.

ولم يتوقف تأثير “التمثال الكونغولي” عند حدود الملعب، إذ اجتاحت مقاطع الفيديو التي توثق وقوفه الصامد منصات التواصل الاجتماعي، مثيرة موجة واسعة من التفاعل والتساؤلات، ومُنتزعةً الترند من كل مشجعي البطولة دون منازع.
متابعون كثر اعتبروا أن حضوره الاستثنائي أعاد التذكير بالدور العميق الذي تلعبه الجماهير في صناعة لحظات خالدة داخل البطولات القارية، حيث لا تبقى المدرجات مجرد فضاء للتشجيع، بل تتحول أحيانًا إلى منصة للتعبير عن الهوية، والذاكرة الجماعية، والكرامة التاريخية.
هكذا، ومن دون كلمة واحدة، كتب مشجع كونغولي قصة فريدة في سجل “كان”، وأثبت أن كرة القدم ليست فقط أهدافًا ونتائج، بل أيضًا رموز ورسائل، قد تكون أبلغ حين تُقال بالصمت.
Views: 18

