مدير النشر ـ هشام العباسي
يحلّ الثالث من مايو من كل عام، حاملاً معه دلالات عميقة تتجاوز طقوس الاحتفال، ليضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: إلى أي حدّ ما زالت حرية الصحافة قائمة كركيزة للديمقراطية وحق أساسي من حقوق الإنسان؟ فهذا اليوم، الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1993 بناءً على توصية منظمة اليونسكو، لم يُخلق للاحتفاء بقدر ما هو محطة سنوية لتقييم واقع الممارسة الإعلامية ومساءلة الضمير الجماعي حول موقع الحقيقة في زمن التحولات الكبرى.
في سياق سنة 2026، يبدو المشهد أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فبينما تتوسع منصات النشر الرقمي وتتسارع وتيرة تدفق المعلومات، تتقلص في المقابل مساحة الحقيقة، وتزداد الضغوط على الصحافيين، سواء من خلال التضييق المباشر أو عبر آليات غير مرئية مرتبطة بالاقتصاد والإشهار والنفوذ. إنها مفارقة صارخة بين خطاب الحرية وواقع الممارسة.
في المغرب، شكّل دستور 2011 نقطة تحوّل مهمة، إذ نصّ في فصله 28 على ضمان حرية الصحافة ومنع الرقابة القبلية. كما جاء قانون الصحافة والنشر رقم 88.13 ليكرّس هذا التوجه من خلال إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، وهو مكسب تشريعي لا يمكن إنكاره. غير أن هذه المكتسبات، على أهميتها، تصطدم يومياً بتحديات ميدانية تُفرغها جزئياً من مضمونها.
في الأقاليم الجنوبية، وبالأخص في جهة العيون، يتخذ هذا الواقع أبعاداً أكثر حساسية. فالوصول إلى المعلومة، رغم تأطيره بقانون 31.13، لا يزال يواجه عراقيل متعددة، حيث تتعامل بعض الإدارات مع الصحافي باعتباره طرفاً مزعجاً بدل شريك في خدمة الصالح العام. ويجد الصحافيون أنفسهم في كثير من الأحيان أمام جدار من الصمت أو التسويف، ما يحدّ من قدرتهم على أداء مهامهم المهنية.
إلى جانب ذلك، يواجه الصحافي المحلي ضغوطاً مركبة، تتراوح بين تدخلات بعض رجال السلطة، ومزاجية بعض المنتخبين، وصولاً إلى الهشاشة الاقتصادية التي تخنق المقاولات الإعلامية الجهوية. فهذه الأخيرة تعاني من تراكم الديون وضعف الموارد، في ظل غياب عدالة مجالية في توزيع الإعلانات، خاصة العمومية منها، والتي غالباً ما تُوجَّه نحو مقاولات كبرى متمركزة في الشمال، تاركة الإعلام المحلي في مواجهة مصير مجهول.
هذا الوضع يخلق اختلالاً بنيوياً في المشهد الإعلامي، حيث تصبح المنافسة غير متكافئة، ويُدفع بالصحافي المحلي إلى هامش الفعل، رغم قربه من قضايا المواطنين ومعرفته الدقيقة بخصوصيات المجال. كما يفتح الباب أمام هيمنة ما يمكن وصفه بـ”الاحتكار الإعلامي”، الذي لا يخدم بالضرورة تنوع الآراء ولا يعكس تعددية الأصوات، فالصحافة الحرة ليست ترفاً، بل ضرورة ديمقراطية، وبدونها يفقد المجتمع إحدى أهم آلياته في الرقابة والمساءلة. وبين شعار الاحتفال ومرارة الواقع، يبقى الرهان قائماً على إرادة الإصلاح، وعلى وعي جماعي بأن حماية الصحافي هي في جوهرها حماية لحق المجتمع في المعرفة.
Views: 2

