مدير النشر ـ هشام العباسي
شهدت الكلية المتعددة التخصصات بالسمارة ندوة كان يُفترض أن تكون منبرًا للحوار الأكاديمي الرصين، وفرصة لتعميق الفهم حول تاريخ المنطقة ومكوناتها. غير أن بعض المداخلات، للأسف، انزلقت نحو ترويج مغالطات تمس جوهر الهوية التاريخية لمدينة لها من العمق الحضاري والبعد الروحي ما يجعلها عصية على التحريف أو الاختزال.
من بين هذه المغالطات، الادعاء بأن الشيخ ماء العينين هو “مؤسس” مدينة السمارة، وهو قول لا يصمد أمام أي تمحيص علمي جاد، ويتجاوز حدود الخطأ المعرفي ليقع في خانة التحريف المتعمد لتاريخ موثق بالشواهد والمصادر والمرويات الموثوقة. نعم، لا ينكر أحد المكانة الدينية والعلمية للشيخ ماء العينين، ولا يختلف اثنان حول مساهمته في تأسيس زاوية علمية وروحية ذات تأثير كبير، ولكن تقزيم تاريخ مدينة السمارة العريقة في شخص واحد هو إجحاف في حق الذاكرة الجماعية وتاريخ مجتمع بأكمله.
المثير للقلق أكثر من المغالطة ذاتها، هو الصمت غير المفهوم من عدد من الحاضرين، ممن كنا ننتظر منهم أن يكونوا أول المدافعين عن ذاكرة مدينتهم المجيدة. وحده رئيس المجلس الإقليمي، السيد محمد سالم لبيهي، وقف بجرأة ومسؤولية، ليعبر عن رفضه الواضح لهذا التزوير، في موقف وطني وأخلاقي يُحسب له ويُقدّر عاليًا.
ولم يكن موقف السيد عامل الإقليم أقل أهمية، حيث أبان عن وعي عميق بأهمية صون التاريخ المحلي، ومارس مسؤوليته بكثير من الحزم والغيرة على تراث المنطقة، في وقت صمت فيه من كان يُفترض أن يكونوا حماة الذاكرة.
إن ما حدث ليس مجرد نقاش عابر في ندوة، بل هو ناقوس خطر يفرض علينا اليوم قبل الغد أن نعيد النظر في طريقة تعاملنا مع التاريخ المحلي. فالهوية ليست رأيًا يحتمل الصواب والخطأ، ولا يمكن أن تُعاد كتابتها حسب الأهواء والانتماءات الظرفية. إن الدفاع عن حقيقة مدينة السمارة هو دفاع عن كرامتها، عن ساكنتها، عن تضحيات أبنائها وبناتها على مر الأجيال.
ومن هنا، فقد حان الوقت، بل تأخر، لبناء فضاء مؤسساتي وثقافي يعنى بصون الهوية التاريخية للمدينة، يُعهد إليه بجمع وتوثيق الروايات والوثائق، وتأليف كتب تكون مراجع موثوقة للباحثين والطلبة، وتؤسس لذاكرة جماعية متجذرة، قوية، ومحصّنة ضد النسيان أو التزوير. فالمدن العريقة تُخلَّد بما تُوثّقه من تاريخ، لا بما يُقال عنها من أهواء.
Views: 37

