تعد ذكرى ثورة الملك والشعب من
الأحداث الوطنية الخالدة التي طبعت مسار المغرب في سبيل تحقيق الاستقلال، ومواصلة بناء دولة المؤسسات القائمة على الحق والقانون.
وإن كانت هذه الملحمة الوطنية تتكرر شكلياً في العشرين من غشت من كل سنة، فإنها تحمل في عمقها دلالات ورمزية خاصة تجسد متانة العلاقة التي تربط بين الملك والأمة بغية تحرر الوطن من جهة ، و مابين درب تطوير الدولة من جهة أخرى بما يضمن استمرار سيادة الدولة و تحقيق التنمية الشاملة في كافة أرجاء التراب الوطني .
و لعل أهم يميز هذه الملحمة هي أنها تشكل جسرا بين الماضي و الحاضر خصوصا فيما يتعلق بالفهم العميق للقيم الوطنية الكبرى و توجيه المسيرة نحو بناء مغرب قوي ، موحد و متعدد الروافد و الهويات .
ومن هذا المنطلق ، تتناول هذه الورقة المستويات الكبرى التي تتأسس عليها هذه الذكرى المجيدة و هي على النحو التالي:
المستوى الأول : (التماسك الوطني )
أبانت ثورة الملك و الشعب أن قوة المغرب تستمد أسسها في تقوية الجبهة الداخلية ، من خلال تلاحم العرش مع الشعب ، حيث صمد هذا الأخير خلف الملك ضد محاولات الإستعمار الفرنسي لفصل الوطن عن سلطانه . و اليوم تتجدد نفس الرؤية من خلال التعبئة الوطنية لمواجهة التحديات الراهنة و من أبرزها ملف الصحراء المغربية الذي يشكل محور إجماع جل فئات الشعب على مضامينه.
المستوى الثاني : (الشرعية و الإرث التاريخي)
أظهرت الملحمة أن الشرعية التاريخية و السياسية لا يمكن لأي طرف أن يستأصلها باعتبارها مستمدة من ميثاق شرعي بين الهرم و القاعدة ، ووفق هذا النسق يواصل المغرب تكريس هذا المعطى عبر تمسكه باستقلالية القرار السياسي و الدبلوماسي وعدم الخضوع لأي ضغوطات خارجية.
المستوى الثالث : (بناء ورش الدولة الحديثة)
إن التضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب المغربي بغية حصول المغرب على استقلاله ، يوازيها اليوم دينامية تنموية قائمة على النهوض بالعنصر البشري باعتباره الإطار المرجعي لأي مشروع تنموي ، فروح ثورة الملك و الشعب لازالت حتى يوم مصدر إلهام دائم لترسيخ القيم الحقيقة للمواطنة .
المستوى الرابع : ( استثمار دروس الماضي في الحاضر )
إن التجربة المغربية قد بينت أن منطق التعامل مع المستعمر لا يكون دائما مبني على منطق القطيعة ، بل إلى رصيد للتعاون المشترك في كافة المجالات الإستراتيجية التي تتصدر أجندة الدولتين .
وفي هذا السياق شكل الإعلان الثنائي المتعلق بالشراكة الاستثنائية الوطيدة بين المغرب وفرنسا محطة مفصلية في إعادة صياغة العلاقات المغربية الفرنسية، عبر تقوية آليات التشاور السياسي، مع تأكيد المغرب على أن أي شراكة حقيقية وواعدة تقتضي مواقف إيجابية وصريحة من طرف فرنسا بخصوص قضية الصحراء المغربية، باعتبارها جوهر وحدته الترابية ومحددا أساسيا في علاقاته الخارجية.
بقلم – طه العرَبِي
باحث في العلوم السياسية
Views: 39

