قبيلة الرقيبات ودورها التأسيسي في نشأة مدينة السمارة
يتناول هذا البحث الدور التأسيسي لقبيلة الرقيبات في بناء مدينة السمارة، من خلال مقاربة تاريخية وأنثروبولوجية تبرز مفهوم “التراب” كفضاء سيادي، و”البركة” كشرعية روحية، و”الدرع البشري” كقوة عسكرية. ويُبرز البحث أن السمارة لم تكن نقطة عمرانية طارئة، بل عاصمة سياسية وروحية وعسكرية نمت داخل مجال قبلي منظم سابق على التدخل الاستعماري، وأن قبيلة الرقيبات كانت الفاعل المركزي في تحويل هذا المجال إلى إقليم سياسي مقاوم.
تُعد قبيلة الرقيبات واحدة من أبرز التشكيلات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها الصحراء الكبرى، ليس فقط لاتساع مجالها الجغرافي أو لكثافتها الديموغرافية، بل لنموذجها الفريد في الجمع بين الترحال البدوي وبناء مراكز حضرية وروحية لعبت أدواراً محورية في المقاومة والتنظيم السياسي.
ويندرج هذا البحث ضمن إعادة قراءة تاريخ السمارة، بعيداً عن التصورات الاختزالية التي تعتبرها “مدينة مؤسسة من العدم”، ليؤكد أنها نشأت في قلب فضاء مسكون بالسيادة القبلية والشرعية التاريخية، تحت هيمنة قبيلة الرقيبات.

إشكالية البحث
ينطلق هذا البحث من سؤال محوري:
هل كانت السمارة فضاءً خالياً تم تشييده لاحقاً، أم أنها عاصمة بُنيت داخل مجال قبلي يمتلك سيادة سياسية وروحية سابقة؟
ويتفرع عن هذا السؤال إشكاليات فرعية تتعلق بـ:
مفهوم “التراب” عند الرقيبات
دور الجد المؤسس سيدي أحمد الرقيبي
وظيفة مجلس “أيت أربعين”
العلاقة بين الزاوية، الجهاد، والمدينة
المنهجية المعتمدة
اعتمد البحث على:
المقاربة التاريخية التحليلية
المعطيات الأنثروبولوجية القبلية
الوثائق والتقارير الاستعمارية
الرواية الشفوية الصحراوية
1. الأصل والنشأة
تنحدر قبيلة الرقيبات من الجد المؤسس سيدي أحمد الرقيبي، وهو رجل صالح من سلالة الأشراف، استقر في القرن السابع عشر جنوب وادي درعة، وبسط نفوذه الروحي في منطقة الساقية الحمراء.

وقد ارتبطت هوية الرقيبات بلقب “أولاد النعاو” أو “أبناء الغيوم”، في دلالة على نمط ترحالهم المرتبط بتقلبات الأمطار، وهو ما شكل علاقتهم الخاصة بالمجال الصحراوي.
2. البنية القبلية للرقيبات
أولاً: رقيبات القواسم (أبناء قاسم)
أهل البيهات:
أكبر الفصائل عدداً (حوالي 800 خيمة)، أصحاب المكانة الدينية والعلمية، وحملة “بركة” الجد المؤسس.
أهل إبراهيم أو داود:
استقروا بمنطقة الزمور، وكان لهم دور عسكري معتبر.
الفقراء:
توسعوا نحو الحمادة، واتسموا بالحذر والتنظيم الدفاعي.
ثانياً: رقيبات الساحل (أبناء علي وأعمر)
أولاد موسى:
القيادة التقليدية، والنفوذ العسكري الأكبر.
أولاد طالب والمؤذنون:
جمعوا بين الثراء الإبلي والتفرغ للعلم والدين.
السواعد، أولاد داود، التهالات.

يُفهم “التراب” عند الرقيبات باعتباره فضاءً سياسياً سيادياً، لا ملكية فردية، تُمارس عليه السلطة من خلال:
السيطرة الفعلية
العرف القبلي
القوة العسكرية
وقد مر تراب الرقيبات بثلاث مراحل:
مرحلة التبعية (الساقية الحمراء)
الثورة الدفاعية (الزمور)
التوسع الاستراتيجي (تيريس والحمادة)

1. السمارة في حرم سيدي أحمد الرقيبي
بُنيت السمارة في قلب المجال المرتبط ببركة وجثمان الجد المؤسس، مما منحها شرعية روحية عميقة داخل الوجدان القبلي.
2. دور مجلس “أيت أربعين”
مثّل مجلس أيت أربعين السلطة السياسية العليا لقبيلة الرقيبات، وهو الذي:
بارك تأسيس المدينة
وفر لها الحماية
نظم شؤون الحرب والسلم
اعتبر السمارة حصناً لحماية “تراب الرقيبات”
الفصل الرابع: السمارة مركز علم وجهاد
1. التحول العلمي
انتقل التعليم من “المسيد” المتنقل إلى:
زاوية مركزية
نظام تعليمي قار
تدريس القرآن والفقه والجهاد
وكان لأهل البيهات وأولاد طالب والمؤذنين دور محوري في هذا التحول.
2. الدور العسكري
تحولت السمارة إلى قاعدة مقاومة بفضل:
مقاتلي أولاد موسى والسواعد
تنظيم الإمدادات
التنسيق بين الزاوية والميدان

ومن أبرز القادة:
محمد ولد الخليل: القائد العسكري البارز، العدو الأول لفرنسا حتى نفيه سنة 1918
إسماعيل ولد الباردي: قائد سياسي ودبلوماسي محنك
يخلص هذا البحث إلى أن مدينة السمارة لم تكن نتاج صدفة عمرانية، ولا مشروعاً مفروضاً على فراغ، بل ثمرة ثلاثية تأسيسية وفرتها قبيلة الرقيبات:
الشرعية المكانية (التراب)
الشرعية الروحية (البركة)
القوة العسكرية (الدرع)
لقد صنع الرقيبات المكان قبل أن يصنعهم، وحافظوا على كرامة الأرض بالعلم والجهاد، لتظل السمارة شاهداً حياً على أن الأرض لمن يحميها ويعمرها ويضحي من أجلها.

Views: 19

