طه العَرَبِي ( باحث دكتوراه في العلوم السياسية و تحليل التواصل السياسي )
المرتكز القانوني و التنظيمي لتقرير بنك المغرب :
يتجاوز التقرير الذي يرفعه والي بنك المغرب إلى المؤسسة الملكية حالة العرف التدبيري أو إجراء بروتوكولي ، بل هو مقتضى قانوني أصيل مرتبط بأجل زمني ، إذ أشارت المادة الخمسين من القانون 40.17 المتعلق بالنظام الأساسي لبنك المغرب ، على أنه يقدم تقرير سنوي حول الوضعية الإقتصادية و المالية و البلاد وكذا حول أنشطة البنك بين يدي الملك قبل الثلاثين من يوليوز الذي يلي اختتام السنة المحاسبية المعنية .
أي أن هذا التقرير هو بمثابة إطار مرجعي لتقديم الحصيلة الإقتصادية للدولة بأقطابها الثلاث ( السياسة الفلاحية – الصناعية و الخدماتية) ، علاوة على كونه محطة لتقييم مجمل السياسات العمومية .
بين مؤشرات التعافي الإقتصادي واستمرار الإختلالات البنيوية :
بَيَّنَ التقرير بالملموس أن الإقتصاد الوطني بصدد استعادة ديناميته التدريجية وهو ما تعكسه عودة النمو الاقتصادي إلى منحى تصاعدي مدعوما بتحسن القيمة المضافة للقطاع الفلاحي واستمرار أداء الأنشطة غير الفلاحية فضلا عن تراجع التضخم ( لاسيما المستورد ) وتعزيز متانة القطاع المالي واستقرار النظام النقدي .
غير أن هذه المؤشرات الإيجابية لم تحجب استمرار عدد من الإكراهات البنيوية التي تحد من وتيرة الإقلاع الاقتصادي، وفي مقدمتها استمرار ارتفاع معدل البطالة بنسبة 13% واتساع الفوارق المجالية والإجتماعية وضعف إنتاجية النسيج الاقتصادي علاوة على تباطؤ مساهمة الاستثمار الخاص في خلق الثروة وفرص الشغل. ومن ثم، خلص التقرير إلى أن تحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولية واستدامة يظل رهينا بتسريع الإصلاحات الهيكلية الكفيلة بتحويل التحسن الظرفي إلى تنمية اقتصادية متوازنة تستفيد منها مختلف الفئات والمجالات الترابية .
التقرير السنوي لبنك المغرب كمرجعية استراتيجية لتوجيه الفعل الاقتصادي العمومي:
إذا كان البرنامج الحكومي يعكس الاختيارات السياسية والأولويات الإقتصادية للحكومة، فإن التقرير السنوي لبنك المغرب يمثل المرجعية المؤسساتية الأكثر موضوعية في تشخيص واقع الاقتصاد الوطني واستشراف آفاقه، بالنظر إلى استقلالية المؤسسة وما تستند إليه من مؤشرات كمية وتحليلات علمية دقيقة.
لذلك، لا ينبغي أن ينحصر إعداد السياسات الاقتصادية للحكومة المقبلة في مقتضيات البرنامج الحكومي، بل يتعين أن يستند كذلك إلى خلاصات وتوصيات هذا التقرير باعتباره ضابطا لتقييم أداء الفعل الاقتصادي المغربي، ورصدا لتفاعل الاقتصاد الوطني مع التحولات الدولية، من تقلبات الأسواق العالمية، والضغوط التضخمية، والاختلالات الجيوسياسية، وتصاعد حالة اللايقين الاقتصادي.
وعليه ،يشكل التقرير أداة استراتيجية لترشيد القرار العمومي وضمان انسجام السياسات الاقتصادية مع الواقع الوطني والتحولات الاقتصادية العالمية، بما يعزز قدرة الاقتصاد المغربي على تحقيق النمو المستدام والحفاظ على توازناته الماكرو اقتصادية .
Views: 9

