إهداء :
إلى كل الذين يهربون من واقعهم، يبنون عالما وهميا بأحلام يقظة، ينامون طوال الوقت لألا ينال فرط التفكير منهم السلام لعقولكم المرهقة

” ما الذي على الناس فعله إذا أرادوا تجنب التصادم و الاستمرار في الإستلقاء في الحقل مستمتعين بالسحب الهائمة و يصغون إلى نمو الأعشاب، أي لا يفكرون ؟ الأمر سهل، الجواب هو الأحلام. الاستمرار فيها، الدخول و عدم الخروج أبدا، العيش فيها ما تبقى من العمر. ليس عليك التمييز بين الأشياء بتاتا. لا وجود للحدود، لذا في الأحلام يندر التصادم. حتى لو وجد، فإنه لا يسبب الألم. الواقع مختلف. الواقع يلسع، الواقع، واقع. ”
– هاروكي موراكامي
يقال بأن أكثر الناس شقاءا هو مفرط التفكير، و قد كان ذلك سبب تعاسته، كونه يفكر في كل التفاصيل حتى تلك التي لم تحدث بعد، كان يدرس الاحتمالات مركزا على الجانب السلبي فحسب، و يكتئب و هو يتخيل نتائج ذلك و وقعها على حياته، رغم كونه ناجحا عمليا و يتخذه الكثيرين قدوة إلا أن حياته الشخصية كانت مملة و تعيسة، و كأنه يعيش نفس اليوم كل يوم، يحاول ملأ وقته حتى لا يسحبه الفراغ و فرط التفكير إلى الهاوية، لكن حياته تظلم مجددا ما أن يضع رأسه على الوسادة ليلا، لأنه كان الوقت الأمثل لعمل الذاكرة بجد، كان لا ينام أكثر من أربع ساعات، حتى الأحلام قد هجرته، فلم يكن يرى شيئا في منامه. لا يذكر متى كانت آخر مرة ضحك فيها من أعماقه، و لا آخر مرة خرج فيها مع أصدقائه، و في إحدى ليالي ديسمبر الممطرة خرج من منزله و لم يعد بعدها أبدا، و رغم كونه قد عاش في وحدة قاتلة طوال الثلاثين سنة من حياته إلا أن بعد اختفائه تظاهر الكثيرين بتأثرهم و بذلوا مجهودا مزيفا في سبيل العثور عليه، لكن لا أحد وجد أثرا له، مرّت أيام ثم أسابيع ثم شهور و سنوات و لا أحد سمع عنه شيئا، و بما أن والدته قد انفصلت عن والده في مرحلة طفولته المبكرة و تخلت عنه فقد قال الكثيرين بأنه انتقل للعيش معها، و قال آخرون بأنه قد تعرف على امرأة و سافر لمقابلتها ثم لم يعد.. الكثير من الإشاعات لكن لا دليل على وجوده في أي مكان. نسي الجميع أمره بعد بضع سنوات، الجميع باستثناء مدبرة منزله، تلك المرأة التي تعد له الطعام منذ ثماني سنوات، و التي تنظف بيته و ترتب أغراضه، كانت آخر شخص قد يتوقع أن تهتم به، و تأبه لغيابه، لكنها كانت الوحيدة التي فكرت به، لأنها كانت تعرف أن شخصا صمد كل تلك السنوات لن يستسلم بسهولة و لن يغادر ببساطة تاركا خلفه كل شيء، كانت مؤمنة بأن خلف اختفائه المفاجئ سر كبير، أكبر من أن يتخيله عقلها، أو عقل من يحيط بها من أقرباء رب عملها، و قررت بأن تغوص باحثة عن ذلك السر رغم العواصف التي قد تعيقها، فهي مدينة له بعد إنقاذه حياتها.
مرت ثلاث سنوات على اختفائه، و ما زالت نور تحاول العثور على رب عملها شهاب، لكن لا أثر له. أدركت في طريق بحثها بأنه كان تعيسا أكثر مما يبدو عليه، و شعرت بالحزن الشديد لأنه كان وحيدا رغم كل المحيطين به، ما زالت تذكر معالم الخيبة على وجهه عند عودته من العمل في أحد الأيام، حيث جلس إلى طاولة الطعام و شرد ممسكا بكأس ماء فارغ، ثم قال بهدوء مريب و كأنه يخاطب نفسه
” هل تعتقدين بأنه سيحزن لوفاتي أحد ؟ ”
فكرت كثيرا في سبيل إيجاد إجابة، لكنه غادر تاركا إياها خلفه، لتدرك أنه لم يكن سؤالا.
قبل سنة من اختفاء شهاب ..
دخلت نور إلى منزل رب عملها بعد عطلة نهاية الأسبوع، كان المنزل في حالة يرثى لها رغم أنها لم تغب عنه سوى يومين. أدركت من الفوضى التي أمامها بأن وضع شهاب قد ازداد سوءا، لم تسأله عن شيء فقد كان شرطه بتوظيفها أن لا تسأله أبدا عن أي شيء مهما حدث، قامت بعملها بهدوء، أعدت له طبقه المفضل بعد أن انتهت من التنظيف، ثم همّت بالخروج لولا أن أوقفها قائلا بنبرة يائسة
” هل يمكننا تناول الغذاء معا هذا اليوم، سأدفع لك مقابل الوقت الإضافي ”
كانت تدرك أنه يشعر بوحدة قاتلة، جاهدت على إخفاء الشفقة التي شعرت بها تجاهه و جلست على الكرسي المقابل له تتناول طعامها بهدوء، لم تكن جائعة لكنها شعرت أنه من واجبها أن تلبي طلبه. لم يتفوه أيهما ببنت شفة طوال فترة الغذاء، صمت مطبق، إلى أن انتهى من تناول طعامه، فقال
” هناك علبة على المنضدة، قدميها لابنك ”
لم ينس يوما عيد ميلاد ابنها، رغم أنه يبدو من الأشخاص الذين لا يذكرون تاريخ ميلادهم حتى، لكنه كان يهتم بابنها أنور، ربما لأنه يشعر أن هذا الأخير يعيش نفس ما عاشه هو و عانى منه بعد انفصال والديه، الفرق بينهما أن زوجة والده من قامت بتربيته، بينما أنور قد بقي مع نور و وهبته كل الحنان الذي هو بحاجة إليه.
ثم أضاف
” لم أر ابنك يوما، سيسرني أن تحضريه معك لأتعرف عليه ”
شكرته بهدوء ثم أخذت العلبة و غادرت، كان لديها الوقت الكافي لشراء كل ما يلزمها للاحتفال مع ابنها بعيد ميلاده، فعادت للمنزل و زينت قاعة الجلوس ثم وضعت الكعكة على الطاولة، و جلست بانتظار عودة ابنها من الحضانة.
إنتظرت طويلا، لكن الظلام قد حل و ابنها لم يعد، بدأ القلق يسيطر عليها، و حملت هاتفها لتتصل بالرقم الوحيد المسجل به، رقم هاتف شهاب.
رن الهاتف مرة، إثنين، ثلاث .. عشر مرات، لكن ما من جواب من رب عملها، كادت أن تعتقد بأنه قد ابتلع حبة منوم فدخل في دوامة نوم عميقة، إلا أنه أجابها أخيرا
” نعم سيدة نور، هل من مشكلة ؟! ”
ترددت قبل أن تقول له
” آسفة على إزعاجك، لكن إبني لم يعد للمنزل و بدأت أشعر بالقلق الشديد ”
” إبعثي لي موقعك ”
أغلق الخط، و لم يستغرق سوى بضع دقائق ليصل إليها، تفاجئ من عدم معرفته بكونها تسكن في عمارة قريبة جدا من منزله، يا للصدفة !
سألها فور وصوله لمنزلها
” هل اتصلت بمديرة الحضانة ؟! ”
ترددت كثيرا فأدرك أنها لم تفكر في ذلك حتى، ليضيف
” ما اسم تلك الحضانة ؟! ”
لكنها صمتت طويلا و كأنها تفاجأت بأن ذاكرتها قد مسح منها كل شيء، كسر الصمت صوت رنين هاتفها الثابت، إرتخت معالم وجهها و فهم من تعابيرها بأن المشكلة قد حلت. جال بنظره في أرجاء المنزل بينما كانت نور تتحدث بالهاتف، لم تكن في المنزل أية صورة للطفل، و لا أية لعبة أو شيء في المنزل يثبت أن طفلا يعيش به، إنتابه شعور شيء للحظات، لكنه تجاهل ذلك، و استأذن مغادرا فور أن أخبرته مدبرة منزله بأن ابنها مع إحدى قريباتها، و رغم أنه يعرف أنها لم يكن لديها أي أقرباء إلا أنه لم يهتم كثيرا بالموضوع.
بعد ثلاث سنوات من اختفاء شهاب ..
إستيقظت نور فزعة من نومها، كان كابوسا آخر، تسلل إلى ذهنها مجددا، رأت نفسها في المنام باجتماع عائلي، كان هنالك العديد من الأشخاص، جالسين حول مائدة طعام طويلة، أصوات مختلطة، حديث و أصوات ضحكات مرتفعة، لينضم إليهم رجل طويل القامة، نحيل، ببذلة رسمية سوداء، رحب به الجميع عداها، كانت متوترة من وجوده، كانت خائفة، كان ذلك آخر ما رأته قبل أن تستيقظ، و رغم استيقاظها إلا أن ذلك الشعور بالضيق لم يفارقها، بل عكّر صفو يومها، أزعجتها عدم قدرتها على رؤية وجهه، تابعت نشاطها اليومي كالعادة، إلا أن ذلك الكابوس ظل غصة في حلقها.
تذكرت بأن عليها المرور بمنزل شهاب فقد كلفتها زوجة والده بأن تنظف ذلك المنزل مرة كل أسبوع، كلما دخلت ذلك المنزل كان يراودها ذلك الشعور بأنه قد يفتح المنزل في أية لحظة، و أن يقول بنبرته الهادئة الكئيبة
” إن كان الطعام جاهزا فضعيه على المائدة سأغير ثيابي و أعود لأتناوله ”
عرفت بعد غيابه بأنه كان قد أقام خطبته مع إحدى قريباته، و بأنهما كانا يحضران لحفل الزفاف، لكنها لا تذكر أنها كانت تراه سعيدا في تلك الفترة، تساءلت بداخلها : ” ألا يفترض أن يكون الشخص سعيدا بأن يتقاسم بقية حياته مع شخص آخر ؟! خاصة شخص كئيب مثل شهاب ألا يفترض أن يكون سعيدا أنه سيهزم وحدته أخيرا ؟! “.
بينما كانت منهمكة بتنظيف الغرفة لاحظت وجود الحبوب المنومة التي كانت قد ابتاعتها له، كانت العلبة ما تزال مغلقة، أي لم يستعملها أبدا، تذكرت ما قاله قبل اختفائه لبضعة أشهر
” شكرا سيدة نور، لقد بدأت أنام جيدا أخيرا، أعتقد أن الحبوب المنومة قد أجدت نفعا ”
إستغربت من ذلك، لم يكن مجبرا على أن يكذب بشأن ذلك، فهو من أخبرها عن معاناته من الأرق. أعادت علبة المنوم لمكانها، و غادرت المنزل بعد أن نظفت الغبار، لكنها لم تتخطى مسألة المنوم.
عادت للمنزل منهكة بعد يوم طويل من العمل و التسوق، تذكرت بأن تأخذ حلوى الفراولة لابنها، فهو يحبها كثيرا، تماما مثلها حين كانت طفلة، هي لا تتذكر الكثير عن طفولتها و لا عن مراهقتها، و آخر مرة رأت فيها عائلتها كانت يوم زفافها، إذ أرغموها على الزواج، فأقسمت أن لا تريهم وجهها مجددا، لم يكن طليقها شخصا سيئا، لكنه كان مرغما مثلها على ذلك الزواج، كان رجلا غريبا يستحيل فهمه، يعاملها كشخص غير مرئي، هي لا تتذكر نبرة صوته حتى، فقد كان صامتا طوال الوقت، حتى حين كان يشاهد مباريات كرة القدم لم يكن يبدي أية ردة فعل، لذلك هي لم تفهم يوما أي فريق يشجع، هي حتى لا تعرف رأيه في الطعام الذي تعدّه له، فقد كان يتناول كل ما تحضره، لم يتذمر يوما و لم يبدي إعجابه كذلك، كان يتناوله فحسب، كأن لا خيار آخر لديه. كانا كالمحكومين بالبقاء معا، فلا أحد اعترض على الحكم أو تمرد، بل قبلا به فحسب و حاول كل منهما أن يؤدي واجبه دون أن يزعج الآخر أو يؤذيه.
شردت نور بينما تمشط شعر ابنها، تسللت إلى رأسها ذكرى من الماضي البعيد، كان أحدهم يمشط شعرها برفق، و يغني لها أغنية أطفال مألوفة، تردد إلى مسامعها صوته و هو يقول
” لا تنزعي ربطة الشعر مجددا، و إلا سنتخاصم ”
إلتفتت إليه لتقول بسعادة
” سأخبر صديقاتي بأن شقيقي مصفف شعر بارع ”
ليربت على رأسها و تختفي الذكرى بعيدا
إبتسمت بمرارة، كيف فقدت حياتها السكينة بين ليلة و ضحاها ؟!
إنتبهت إلى انزعاج أنور من تأخرها بمشط شعره، و في تلك اللحظة بالذات تذكرت أنها نسيت الحليب على الموقد، لكن لسوء حظها كان قد فات الأوان بعد ركضها إلى المطبخ، هي تعاني كثيرا من النسيان مؤخرا، و أحيانا تخشى أن يؤذي ذلك طفلها بشكل ما.
لقد كانت نور الثالثة بعد أخويها، فكانت علاقتها بهما رائعة، إذ كانا يحرصان دوما على إسعادها و إرضائها، و هي بدورها كانت تهتم بهما، و تعد لهما ما اشتهيا من الطعام، كانت موهوبة في الطبخ، فقد انقطعت عن الدراسة بعد المرحلة الابتدائية، فكانت تقضي أغلب وقتها إن لم يكن كله في المطبخ. كان حلمها أن تصبح طباخة ناجحة، لكن زواجها الإجباري حطم كل ما تحلم به، قلب كل حياتها، فقدت عائلتها، فقدت علاقتها الجميلة بأخويها، و الأسوأ من ذلك أنها لم تجد بعد عائلتها أي شخص بوسعها الاستناد عليه. الخيبة التي تأتي من العائلة لا تنسى، و لا يمكن تجاوزها، تظل ندبة في قلب الشخص للأبد، و عند أي موقف مشابه تشعر بالألم ذاته الذي اجتاحك أول مرة، حين تتخلى عنك العائلة، مهما امتدت إليك من أيدٍ لا تستطيع الوثوق بها، و تظل طفلا جريحا للأبد، تظل عند المحطة التي تركوك بها، لا أنت تستطيع المضي قدما، و لا هم بوسعهم تعويضك عن ما شعرت به من سوء، و الأسوأ أنك تظل في صراع دائم مع نفسك عاجزا عن المغفرة لهم. لم تستطع نور أن تسامح عائلتها، جاهدت لتفعل، لكن بدا لها ذنبهم أكبر من أن تستطيع أن تغض الطرف عنه. بعد أن هجرها زوجها عانت الأمرّين باحثة عن عمل، و ما كان يزيح عنها ثقل تلك الأيام هو شعور الأمومة، شعورها بأن شخصا آخر يستند عليها، و بأن عليها أن تكون عند حسن ظنه، أن تحميه و لا تجعله يفتقد لأي شيء، لم يكن ذلك سهلا لكنها كانت أقوى مما اعتقدت، و الصبر الذي اعتقدت أنه سينفذ في أول يوم تعتمد فيه على نفسها، تضاعف و نما و تجدد، قاومت و حاربت كثيرا. إلى أن التقت شهاب فما كان عليها أن تحارب بعده، فقد دخل حياتها كملاك يريد مكافأتها على صمودها، وقف بجانبها حين لم يكن أحد كذلك، أنقذ حياتها، وظفها، و لم تطلب منه شيئا إلا و لباه لها، كانت تتساءل دوما عن كيف عجز من حوله عن رؤية طيبة قلبه، ربما لو تعرفوا عليه عن كثب ما كان ليصبح وحيدا كذلك.
نظرت نور إلى مذكرتها الصغيرة، لتتذكر أن اليوم هو الخميس، يوم تنظيف منزل شهاب، هي تسجل كل شيء في مذكرتها، فالنسيان لا يفارقها في الآونة الأخيرة، قامت بتحضير الفطور على الطاولة، و وضعت ملاحظة على الثلاجة تطلب فيها من قريبتها نادية أن تطعمه لأنور بعد استيقاظه. نادية هي الشخص الوحيد الذي تؤمّنه نور على ابنها، فهي لا تثق بالآخرين. و هي صديقتها الوحيدة، هي ما زالت تتذكر أول مرة قابلت فيها نادية، كانت جالسة في المنتزه تستعرض شريط حياتها، و أكثر ما آلمها أنها رغم الألم الشديد الذي في صدرها كانت عاجزة عن البكاء و إفراغه، إن الأقسى هو العجز عن البكاء في أكثر موقف أنت بحاجة لذلك، و في أكثر لحظات حياتها وحدة ظهرت نادية، و جلست لتواسيها، و تستمع إليها، إن الإنسان حين يكتئب لا يحتاج أكثر من شخص واحد يستمع إليه.
بينما كانت نور تنظف ذلك المنزل، سقطت من الأوراق على مكتب شهاب ورقة بها عنوان بخط عريض في المنتصف، عنوان مثير للاهتمام ” أضغاث أحلام “، و أسفل الورقة كُتب اسم شهاب بخط واضح، أدركت أنه كان يكتب رواية قبل اختفائه، بحثت بين بقية الأوراق لعلها تجد ما كان يكتبه، لكن لم تكن هنالك سوى الورقة التي تحمل العنوان، لابد أنه أخفى بقية الأوراق في مكان ما، أو أنه قد أخذها معه، إنتابها شعور سيء حيال ذلك، لكنها نفضت الفكرة من رأسها، أعادت الورقة إلى مكانها، ثم تابعت تنظيف المنزل، لتعود في آخر اليوم مرهقة إلى منزلها، و بعد واجباتها المنزلية تستلقي، ليأخذ النوم بيدها سريعا في رحلة طويلة.
لقد كانت نور منذ طفولتها المبكرة تعيش في منامها حياة منفصلة عن واقعها، تعيش حياة مختلفة بشتى تفاصيلها. في منامها مؤخرا هي سعيدة جدا، طباخة ناجحة، زوجة مثالية، و أم رائعة، و علاقتها بعائلتها وطيدة جدا. في منامها وصلت إلى كل ما عجز الواقع عن منحه لها. كل يوم تعيش أحداثا جديدة حين تخلد للنوم، أحيانا تعيش تجارب صعبة، لكنها تتخطاها قبل أن تستيقظ، لقد أخبرها المعالج النفسي بأن عقلها يخلق ذلك كمهرب لها من واقعها القاسي، لكنها لم تصدقه يوما، لم يكن كلامه بالنسبة لها سوى هراء لم تعر له أدنى أهمية.
بعد خلودها للنوم تلك الليلة، رأت شهاب، أول مرة يدخل فيها إلى ذلك العالم الذي بنته مخيلتها، و لكنه لم يدخل كربّ عملها، بل كزبون في مطعمها، زبون مهم، قدمت له الطعام الذي طلبه، ثم تفحصت ملامحه المألوفة، ليبتسم بارتباك حين لاحظ شرودها بالنظر إليه، أفاقها ابتسامه من شرودها، ثم تمنت له شهية طيبة و انسحبت إلى المطبخ، حتى في منامها بدى لها أنه شخص مثير للاهتمام. حين غادر المطعم، جلب لها النادل ورقة ملاحظات تركها شهاب، فتحتها لتجد عبارة : ” أضغاث أحلام “، إستيقظت من النوم فزعة، لقد بدأ واقعها يتسلل إلى منامها!
صارت نور تفكر في احتمال أن يكون شهاب مقتولا، لكنها تعرف أن شخصا مثله سيكون من الغريب أن يكون لديه أعداء، لكن المختلين لا يحتاجون سببا لإيذاء الآخرين. إقشعرت من فكرة أن تنتهي حياته البائسة بشكل بشع، و بالتفكير في الأمر فلا أحد سيستفيد من وفاته. لكن نبهت نفسها لألا تكون واثقة من ذلك، فالأشخاص الكتومين مثل شهاب، قد يدفنون سرا لسنوات، و لا أحد سيشك بذلك أبدا.
الأمر الذي لا جدال فيه هو كونه قد كان يعاني من مشكلة تشغل باله قبل اختفائه، ففي نظرها لا يمكن أن يعاني شخص من الأرق دون سبب، لابد أنه كان يفكر طويلا في أمر ما، مما لا يدع مجالا للنوم أن يدنو منه.
و بين أفكارها المشتتة تذكرت مكانا لابد أن يكون مخبأ أغراض شهاب السرية، الخزانة السرية في الشرفة، خزانة كانت يخفي بها شهاب المزهريات الجديدة التي يقتنيها من رحلاته، و لم يكن يسمح لها بفتح تلك الخزانة، قائلا بأنها مجموعات ثمينة من المزهريات التي صنعت خصيصا من أجله، هي لم تشك في الأمر قبل ذلك، لكنها صارت بحاجة إلى أي خيط قد يقودها إلى سبب اختفائه المفاجئ، و سيكون ذلك أقل ما يمكنها تقديمه له، بعد كل ما ساعدها به.
إتجهت إلى شقة شهاب، لديها نسخة من المفاتيح، و لكنها تعرف أن زوجة أبيه قد تجعل من الحبة قبة إن عرفت بأنها تسللت إلى المنزل دون إذن منها، لكن بالنسبة إلى نور فالأمر كان يستحق عناء المغامرة. كانت الخزانة مغلقة بشيفرة، حاولت أن تفتحها بتاريخ ميلاده، سنة تخرجه، تاريخ ميلاد زوجة والده.. لا شيء أفلح بفتحها، لتجرب تاريخ اختفائه، فتفتح الخزانة !! وقع نظرها على مجموعة أوراق، في زاوية كل ورقة عبارة ” أضغاث أحلام “، إنها الرواية التي كانت تبحث عنها، الرواية التي كان يكتبها شهاب قبل اختفائه.
رواية أضغاث أحلام
الفصل الأول :
وقف أمامها ينظر إليها باستغراب، بدت مختلفة تماما عن الشابة التي وقع في حبها، عن الشابة التي تزوج بها، عن التي تطلق منها، إنها ليست إناس التي يعرفها، شعر بنفسه ينظر إلى لوحة فنية عن البؤس، شاردة الذهن، شاحبة الوجه، شعرها الأشعث يتطاير مع الرياح العاتية، لم تلاحظ وجوده بتاتا، حتى جلس إلى جانبها، على ذلك المقعد الذي شهد بداية قصة حبهما، و اخر لقاء لهما حين مدت له أوراق ملكية منزلهما و كل ما يملكانه، بعد طلاقهما، تنازلت عن كل شيء، و أدارت ظهرها له لتغادر دون النبس ببنت شفة. إلتفتت إليه بعد أن انتبهت لوجوده، لم يفقه شيئا من نظرتها، بدأت تتحدث بهدوء، كأنها تحادث نفسها:
-” كنت حاملا بطفلك.. طفلنا..”
توقفت عن الحديث مترددة في التفوه بما تريد قوله، أما هو فلم يستوعب ما قالته، و كأنها تحدثت بلغة غير التي يتحدث بها و يعرفها، كان يحاول إقناع نفسه بأن ما سمعه ليس صحيحا، لتستأنف كلامها
-” بعد معرفتي بعلاقتك مع .. مع تلك .. ”
بلعت ريقها و تنفست بعمق لتتابع
-” لم أستطع الاحتفاظ بالطفل .. تخليت عنه.. ”
إتسعت عينيه، يرفض تصديق ما قالته، لن تستطيع القيام بما قالته، هي لا يمكنها التخلي عن طفلها، لا يمكن أن تكون بتلك القسوة، لكنها لم تتوقف عن الحديث
-” حين قلت بأنك لم تعد تحبني، بأنك ستتزوج بها، أعمى الانتقام عيناي، و قادني للخطيئة، اعتقدت أن إبعاد ابنك الذي لا تعرف شيئا عن وجوده عنك سيكون أقسى انتقام منك، و نسيت أنه ابني أيضا، مهما كنت سيئا صرت أسوأ منك ”
لم تترك له فرصة للتفكير، حيث أخرجت صورة طفل حديث الولادة من حقيبتها و مدتها له، لتقول بقهر و ندم
-” هذا كل ما يمكنني تقديمه لك، كل ما تبقى لي منه، يمكنك الاحتفاظ بها .. ذاتا لست بحاجة إلى النظر لصورته لتذكره، فهو لا يفارقني، و ما الأقوى من صوت الضمير ”
إبتسمت بمرارة، أما هو فقد بدأت دموعه بالتساقط على صورة الطفل، عقله لا يصدق كلامها، لكن قلبه يعرف أنها لا تكذب، أما هي فلم تتوقف عن الكلام
-” لقد رأيته في منامي الليلة الماضية، قال بأنه يكرهني، دفعني بعيدا عنه حين أردت احتضانه .. سيعود أليس كذلك ؟ لا يمكن لأحد أن يكره أمه أليس كذلك ؟ .. ”
غادر تاركا إياها ما زالت تتحدث، غادر حاملا على ظهره ثقلا أكبر منه، كابوسا لا يمكنه الاستيقاظ منه، لقد هدمت الحياة فوق رأسه و ليس بوسعه الخروج من تلك الأنقاض، عاد إلى منزله كجسد فقد روحه، اتسعت عينا زوجته الحامل ما أن فتحت الباب، لتقول فاغرة فاهها
-” فهد .. ما الذي حدث لك ؟؟ ”
نظر إلى بطنها المنتفخ، لتنزل دمعة من عينه، اتخذت مسارا من خده ثم سقطت على الأرضية، أدار وجهه ليدخل إلى غرفته ثم أقفل الباب مانعا دخول زوجته، جلس على الأرضية الباردة في ركن الغرفة، واضعا يديه على أذنيه، لكن صدى صوت إناس ما زال يتردد
” كنت حاملا بطفلك.. طفلنا ”
” أعمى الانتقام عيناي ”
” لست بحاجة إلى النظر لصورته لتذكره، فهو لا يفارقني ”
” لقد رأيته في منامي الليلة الماضية، قال بأنه يكرهني، دفعني بعيدا عنه حين أردت احتضانه .. سيعود أليس كذلك ؟ ”
أجهش بالبكاء، لو أنه لم يتهور، لو لم يخنها، ما كانا ليفقدا ذلك الطفل، كانا سيبنيان تلك العائلة التي حلما بها منذ مراهقتهما، هو السبب في كل شيء، هو السبب في دمار حياتهما، هذا ما كان يفكر به، و لم يستطع إيقاف ذلك الصوت النابع من داخله و الذي يعاتبه، عادت إناس إلى منزلها، في حالة يرثى لها، بالكاد تمشي بخطوات متثاقلة، لا تعرف ما دفعها لفتح الدفاتر القديمة، كان زوجها و ابنتيه التوأم جالستين حول مائدة الطعام، لتقول إحدى الطفلتين
-” نعتذر لأننا بدأنا بتناول الطعام قبل مجيئك خالة إناس.. ”
أشارت إلى شقيقتها لتردف
-” كانت جنان جائعة ”
إبتسمت إناس بتكلف لتقول
-” لا بأس عزيزتي جنى .. بالصحة و العافية، لقد تناولت طعامي بالخارج.. أنا مرهقة نوعا ما، سأذهب لأستلقي ”
قطب زوجها حاجبيه بقلق، لتبتسم له و تدخل إلى غرفتها، وليد من ذالك النوع من الرجال الذي يكرس حياته لعمله و عائلته، جدي، صادق، مدمن عمل و وفي. عاش تجربة قاسية بعد وفاة زوجته و تزوج بجارته إناس التي كانت تعتني بابنتيه بعد وفاة زوجته، لم يكن يعرف عنها سوى أنها امرأة وحيدة بعد طلاقها من زوجها الخائن، لم يعرف شيئا عن شخصيتها، عن ما تحبه، ما تكرهه، لا شيء أبدا.
إستلقت على سريرها تنظر إلى الفراغ، لا شيء بوسعه إنقاذها.
غادر المنزل بعد أسبوع من بقائه به، بعد أسبوع من تذمر زوجته، و اتصالات مديره المزعجة، أسبوع واحد كان كفيلا أن يهرمه، و يجعله أكبر من سنه بسنوات، لم تفارق ملامح إيناس البائسة ذاكرته، أيعقل أن يؤذي الإنسان الشخص الذي يحبه بهذا الشكل القاسي ؟ هو قد فعل، و ما زال لا يجد سببا منطقيا لما فعله بها، بعد فقدان إيناس كان تائها، غارقا لا يدري أي قرار صائب و أيهم خطأ، فدفع ثمن ذلك فادحا، ما الأسوأ من أن يعاقب الاباء بأبنائهم؟ لا شيء أسوأ من ذلك. اتصل بمساعده يسأله عن موقع إيناس، فبعث له عنوان عيادة لمعالج نفسي، زفر بعمق بعد أن تذكر كلامها
” لقد رأيته في منامي الليلة الماضية، قال بأنه يكرهني، دفعني بعيدا عنه حين أردت احتضانه .. سيعود أليس كذلك ؟ لا يمكن لأحد أن يكره أمه أليس كذلك ؟ .. ”
كان لابد له من لقائها، لكن ماذا سيقول له ؟ لا شيء سيغفر له، و لا يستطيع إنقاذها بعد الان، و لا إنقاذ نفسه.
وقف أمامها ينظر إليها، متفحصا كل شبر في ملامحها، يبحث عن أية إشارة لعتاب، ينتظر منها أن تصرخ في وجهه، أن تصفعه، أن تشير إليه بأصابع الاتهام، لكنها ساكنة جدا، بالكاد ترمش بعينيها، ليقول متلعثما
-” لم تفارق عيناي صورته.. يبدو أنه يشبهك ”
تابعت المسير دون أن تكلف نفسها عناء إجابته، ليسير بهدوء إلى جانبها، ثم استأنف كلامه بنبرة قلق و تأنيب ضمير
-” لا تبدين بخير ”
إبتسمت بسخرية لتجيب
-” لم أره في المنام الليلة الماضية، لقد رحل إلى الأبد، لا أستحق رؤيته في منامي حتى ”
أدار وجهه خشية أن تلمح الدموع المتجمعة في عينيه
-” سأبحث عنه ”
رفعت حاجبها قائلة
-” هل تعتقد أنني لم أبحث عنه؟ لن يعود أبدا.. فقدانه عقاب لكلينا على ذلك الحب اللعين و ذلك الزواج الغبي .. ها أنت ستصبح أبا مجددا، لكنني لن أعرف الأمومة بعده أبدا، و لا أستحق أن أفعل”
لم يستطع تمالك نفسه أكثر من ذلك، إنهمرت دموعه ليمسحها بسرعة، ثم يقول مخففا عن كليهما
-” لابد أنه في مكان أفضل، مع عائلة تحبه، لابد أنه سعيد بعيدا عنا ”
لا يعرف كيف قال ذلك، فهو عكس ما يفكر به تماما، لكنه خرج من فمه بشكل لا إرادي. كادت تقع بعد أن شعرت بدوار شديد، فأمسك بها لتدفع يده عنها بعنف، و تصرخ في وجهه
-” لا أريد رؤيتك مجددا ”
ركبت سيارتها الفاخرة، و ابتعدت، أما هو فيكاد لا يصدقما حدث و يحدث، عاد إلى منزله منهزما، لم يحدث زوجته منذ أن عرف بمسألة الطفل.يحاول التهرب من كل شيء، لكن ما باليد حيلة.
الفصل الثاني :
وقف فهد أمام نافذة غرفته ينظر إلى المارة بشرود، كان مستعدا لدفع أي ثمن لإعادة حياته السابقة، لما قبل الطلاق، ليصحح أخطاءه، و يعيش بسعادة مع المرأة الوحيدة التي أحب، لكن الحياة معقدة، و ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، دخلت زوجته إلى غرفته بعد أن أذن لها بذلك، حاملة صينية الغذاء المليئة بأطباقه المفضلة، لكنه أخبرها أنه ليس جائعا، فانصرفت بهدوء بعد أن تركت الصينية على مكتبه. نظر إلى الصينية ثم التفت مجددا نحو النافذة، ذهنه يقارن بين طليقته و زوجته، لم يسبق له أن فكر في هذا من قبل، ربما لأنه لم يقابل إيناس منذ طلاقهما، أو لأن الزمن مضى بسرعة لدرجة أنه لم يملك الوقت للتفكير في ما فقده. قادته أفكاره المشتتة إلى الدرج القريب من سريره، فتحه ليخرج علبة صغيرة، فتح الأخيرة ليخرج زوج أحذية جديدة بحجم كف يده، أحذية زرقاء، كان قد أهداها له صديقه حين علم بحمل زوجته، لكنه لم يفكر بطفله الذي لم يولد بعد و هو ينظر إلى تلك الأحذية الصغيرة، بل في الطفل الذي فقده، لابد أنه في مكان اخر مع عائلة أفضل، لابد أنه خطى خطوته الأولى و نطق بكلمته الأولى، ربما يشبهه، أو أنه يشبه إيناس. وضع يديه على مقدمة رأسه، يحاول إيقاف أفكاره، ضغط بقوة على رأسه، و شعر بوهن لم يشعر به من قبل.
و في مكان اخر كانت إيناس في غرفة تبديل الملابس بالمستشفى، ارتدت بذلتها الزرقاء السماوية، بذلة بيضاء فوقها و أحذية طبية، إن كان هنالك قرار لن تندم عليه فهو قرارها بأن تصبح ممرضة، أن تكون الأقرب لمن أضعفهم المرض، أن ترافق الناس في اللحظات الأخيرة من حياتهم، أن تكون بجانب من لا أحد بجانبهم، أن تخفف ألمهم، ترفع من معنوياتهم، تبتسم في وجوههم، تعقم جراحهم، تضمدها، تسهر على راحتهم. حين تتنقل بين المرضى تنسى كل ما تشعر به، كل المعارك التي يخوضها ذهنها، تنسى جراحها و لا تفكر سوى في جراح الاخرين، كانت قد سمعت كلاما معبرا عن ذلك في المسلسل التلفزي
Nurses
ما ترجمته :
قيل لنا ألا نجلب شؤون عملنا للمنزل معنا
و لا أن نجلب عالمنا للعمل معنا
قيل لنا أننا يجب أن نضع .. عالمنا المضطرب بعيدا عن يومنا
نضعه على الرف و يكون بحوزته كل مخاوفنا و قلقنا
و نلتقطه من على الرف بين الأتربة و نحن في طريقنا للعودة للمنزل
بعد مناوبة طويلة
قيل لنا أن حياتنا الخاصة
لا يجب أن تؤثر على مستوى الرعاية التي نعطيها
من أين أتينا
هكذا نهتم بهم ..
اللغز المستحيل هو رعاية الاخرين
عندما لا يكون باستطاعتنا حتى أن ..
نهتم بأنفسنا
إرهاقها في العمل و تفكيرها في الاخرين تشغلها عن التفكير في نفسها. حقنت إبرة أنسولين لعجوز مصابة بمرض السكري، فابتسمت هذه الأخيرة في وجه إيناس و قالت لها بحنان ” أرجو أن يرزقك الله بكل ما تتمنينه “، أجابت إيناس ب” امين “، إلا أنها لم تعد تتمنى شيئا، لربما كان فهد محقا، و ابنها في مكان أفضل، إستأذنت من المريضة بعد أن لاحظت شرودها. غسلت وجهها ثم عادت إلى عملها.
و عند فهد فقد دخل مساعده إلى مكتبه، و قال له بنبرة عملية:
” سيد فهد، لدي معلومات جديدة عن الطفل الذي طلبت مني البحث عنه، هناك كاميرات مراقبة أمام المكان الذي قلت أنه تم وضعه فيه، شاهدت كل تسجيلات التاريخ الذي ذكرته، و أعتقد أنني وجدت شيئا مفيدا ”
قاطعه فهد بعد نفاذ صبره :
” ادخل صلب الموضوع ”
ليجيب :
” الطفل قد أخذه رجل بعد حوالي ساعتين من وضع السيدة له ”
زفر فهد بحده، و مسح وجهه بقلة حيلة، ليتابع مساعده حديثه، و هو يعرف أن كل جملة يضيفها تزيد من حنق سيده
” الرجل معلم، متزوج، و أب لطفلين، سجله نظيف، و يعيش في بلدة شمال البلاد، جيرانه يمدحون أخلاقه و يبدو أن لا أحد يعرف أن الطفل الثالث متبنى ”
قال فهد بشرود
” عائلة مثالية سعيدة ”
إنصرف مساعده بعد أن استأذن منه و ترك ملاحظات ما وجده على مكتبه، تساءل فهد إن كانت إيناس لم تفكر حقا في تفقد كاميرات المراقبة، بالطبع امرأة ذكية كإناس لن تغفل عن ذلك، عقلها الباطني يقنعها بأن تفقد الأمل، و أن تدع ذلك الطفل و شأنه، لن تستطيع الاعتناء به و هي تعلم أنه ابن الرجل الذي أخذ بيدها من الجنة إلى الجحيم، و لا يحق لها تعذيب طفل بأن لا تمنحه الحب الذي يستحقه. لكن ماذا لو أن إيناس لم تتفقد حقا كاميرات المراقبة ؟
وقف فهد في غرفة المستشفى ينظر إلى زوجته المستلقية على السرير، و دموع الفرح في عينيها، و ذلك الكائن الصغير النائم بجوارها، طفله .. طفله الثاني، لكنه يحس بذلك الشعور للمرة الأولى، شعور أن تنظر إلى قطعة صغيرة منك، حمله بحذر بالغ، يكاد يبلغ السماء السابعة من السعادة، كأن الحياة تمنحه فرصة أخرى ليصلح كل ما سبق أن ارتكبه من أخطاء، قطعت حبل أفكاره زوجته التي قالت و هي تنظر إلى الطفل ” إنه كالملاك “، أومأ برأسه إيجابا موافقا رأيها، و نظره لم يتزحزح عن ابنه، لا يدري لكم من الوقت ظل كذلك، ربما ساعة أو اثنتين، لم يشعر بالوقت أبدا. دخلت والدته فاضطر للخروج من الغرفة، متحججا بالذهاب لإحضار الطعام، فعلاقته بوالدته متوترة منذ طلاقه من إيناس، و لا تفوت أية فرصة لتذكيره أمام زوجته بالذنب الذي اقترفه، و لو لم يكن ذلك بشكل مباشر، و علاقتها بزوجته الحالية ليست جيدة كعلاقتها بإيناس.
لمح فهد إيناس في رواق المستشفى، أمام آلة صنع القهوة، و إلى جانبها زميلها في العمل، كان يحادثها لكنها شاردة، حرك يده أمام وجهها لعلها تنتبه، لتعتذر منه على عدم انتباهها، ثم أخذت كوب قهوتها و تلتفت مغادرة و سار زميلها خلفها، متخليا عن كوب قهوته الذي لم يجهز بعد. تابع فهد النظر إليهما بغيض مكتوم إلى أن اختفيا في نهاية الممر، ليخرج بخطوات سريعة من المستشفى، تاركا كل شيء خلفه، كان عقله يحثه على الذهاب لرؤية ابنه الأول، متسائلا إن كان سيشعر بذات الشعور الذي انتابه و هو يحمله ابنه حديث الولادة، كان يعلم أن عقله يعمل سريعا و قد يقوده للمزيد من الأخطاء، فهو يكاد لا يستوعب ما يفعله، قاد طويلا، لثلاث ساعات، أو ربما أربعة، لم ينتبه، و ما أن وصل إلى المنزل المقصود حتى ترجل و ثقب إطار سيارته، ثم دنا من باب ذلك المنزل الصغير البسيط، بتردد، ينظر حوله، كانت تفاصيل ذلك المنزل دافئة بشكل جميل، حديقة جميلة، دراجة هوائية صغيرة، شجرة ليمون، رائحة الياسمين، أزهار مختلفة في كل مكان، طرق الباب بيد ترتجف، ليفتحه فورا رجل طويل القامة، بملامح هادئة بريئة، و بنية رياضية. قال له فهد بتلعثم :” المعذرة يا سيد، لقد ثقب إطار سيارتي، و علقت في هذه البلدة، هل يمكنك أن تحثني على مكان أظل فيه هنا ريثما يصل مساعدي، فهو في طريقه إلى هنا”، كان يأمل أن تنجح خطته، و يرى ابنه و لو لبضع ثوان، و بالفعل استقبله ذلك الرجل الذي اتضح فيما بعد أن اسمه ضياء، كما طلب من زوجته أن تحضر لهما الكعك و الشاي، و أخيرا خرج صبيان من باب المنزل، فبدأ قلب فهد يطرق بعنف، توتر حتى شعر بأنه قد يفقد وعيه في أية لحظة، ما أن قال السيد ضياء أن ابنه الأكبر نائم، حتى أدرك فهد أن أحد الطفلين إبنه.. و قد سموه سيف، تساقطت دمعة من عين فهد و قال بأنه اشتاق لابنه، فلم يسأله ضياء أكثر خشية أن يكون موضوعا حساسا لهذا الغريب الذي عرفه قبل قليل، كان سيف نسخة مصغرة عن إيناس، طلب نور من الطفلين أن يرحبا بفهد، فمد الطفل الأول يده ليصافح فهد، و محاولا أن يبدو كشاب كبير، و قد بدا ظريفا بذلك، أما سيف فقد عانق فهد بقوة، و بالكاد أفلته الأخير.
رن هاتف فهد، و أضاءت الشاشة باسم زوجته، رفض المكالمة، ثم بعث لها برسالة نصية
” طرأ لي عمل مهم، سأعود فور إنهائه ”
أما عند إيناس فقد حظرت طبق سباغيتي للتوأم جنى و جنان، و جلست مع وليد في غرفة الجلوس، بدا لها مرهقا جدا، مدت له كوب شاي أسود بالليمون، و اعتدلت في جلستها على الأريكة، إبتسم و ارتشف من الشاي، ثم تجهم وجهه قلقا ليقول
” هل أنت بخير إيناس؟ ”
حاولت التهرب من إجابته لطالما كان الكذب على وليد مهمة شاقة، فهو يرمقها بنظرات غريبة، و كأنه يخبرها أنه يعرف ما يجول في خاطرها، و لكن لا يريد إحراجها أو تكذيبها
“أعتقد أنني من يجب أن يسألك هذا السؤال ”
الفصل الثالث:
زفر بقلة حيلة ليجيب
” أشعر بتعب شديد مؤخرا، عقلي متعب، أعتقد أنني يجب أن اخذ إجازة من العمل للتفكير في ما أريده، و إراحة رأسي كذلك، و ربما لقضاء المزيد من الوقت مع عائلتي ”
إبتسم في وجهها لتبتسم بدورها بارتباك
إنضم إليهما التوأم جنى و جنان ليشاهدوا فيلما عائليا، رغم أن كل شيء يسير على ما يرام في حاضر إيناس إلا أن ماضيها لا يكف عن اللحاق بها. فهي ترى السعادة لكنها لا تستطيع أن تعيشها.
إستأذن فهد من ضياء ليغادر بعد أن وصل مساعده، صوت بداخله كان يطلب منه قضاء المزيد من الوقت قريبا من ابنه، لكن عقله كان يدرك بأنه إن ظل أكثر من ذلك سيرتكب حماقة يندم عليها فيما بعد. وعد تلك العائلة السعيدة بأن يعود لزيارتهم مجددا بعد إصرارهم عليه أن يفعل، ركب سيارة مساعده، و لوح لهم قبل أن يغيبوا عن أنظاره، ردد بداخله ” كان ذلك كالحلم “. فتح نافذة السيارة لتتسل نسمات الهواء و تداعب شعره، أغمض عينيه يتخيل صورة عائلية جميلة تجمعه بإناس و سيف، في حديقة كخاصة السيد ضياء، حياة هادئة مريحة، فتح عينيه بانزعاج بعد أن أفاقه من حلم يقظته صوت هاتفه الذي لم يكف عن الرنين، رفض المكالمة دون أن يركز على هوية المتصل، ثم عاد يستند على مقعد السيارة بخمول.
عند إيناس ..
تسللت خيوط الشمس الذهبية إلى غرفة إيناس، نهضت من سريرها بحماس لتعد الفطور، كان وليد ما يزال نائما، تذكرت أنه يوم الأحد، سارت على رؤوس أصابعها خشية إيقاظه. أعدت الفطور بسعادة و تناولته، إلى أن بدأ يتسلل إلى مسامعها صوت طفل صغير يبكي، و تهويدة قبل النوم التي كانت تغنيها لها والدتها حين كانت طفلة صغيرة، وضعت يديها على أذنيها، و ضغطت بقوة، إلا أن الصوت لم ينخفض أو يتوقف، كانت تتوهم، بدأت تبكي بحرقة و تصرخ
” أنا اسفة جدا، لم يكن علي الذهاب، أنا اسفة، لم أود حصول ذلك، لم يكن علي تركك، أنا اسفة .. ”
هرع إليها وليد و أمسك يديها محاولا التخفيف عنها، و هو يردد بقلق
” إناس إهدئي، أنا معك، أنا هنا بجانبك، لم و لن يحدث أي شيء سيء، كل شيء سيكون على ما يرام، أنت فقط عليك أن ترتاحي، سأحضر مهدئا و أتصل بطبيبك الان، أنا هنا، لن أفارقك ”
توقف ذلك الصوت، لم تعد تسمع شيئا، انتبهت إلى وليد القلق، الذي شحب وجهه، أمسك بيدها و قادها نحو المغسلة لتغسل وجهها، كانت تشعر بإرهاق شديد، و لا تريد شيئا سوى أن تستلقي، إتجهت إلى سريرها دون النبس ببنت شفة، إبتلعت المهدئ الذي كان على الخزانة قرب السرير، و أغمضت عينيها لتنام
عند فهد ..
جلس على كرسي مكتبه يتفقد الملفات المتراكمة، أهمل عمله بعد المشاكل المتتالية، لكن إن كان هناك مذنب في ما حدث، فلا أحد مذنب بقدره، عقله لم يعد يفكر بشكل سليم. لكن إن كانت هنالك فكرة صحيحة في رأسه فهي إخبار إيناس عن مكان سيف، على الأقل لن يشعر بأنه السبب المباشر في فراق أم عن ابنها، رغم أنه السبب الغير مباشر في ذلك
أخذ الهاتف و قد اعتزم الاتصال بها، رن الهاتف، رن لمرة ثانية، ثالثة، رابعة، ثم أتاه صوت من الطرف الاخر للخط.. صوت وليد
” مرحبا أنا وليد، زوج السيدة إناس، من معي ؟ ”
تردد فهد لكنه أجاب أخيرا
” أنا زميلها في العمل، وددت سؤالها عن مريضة .. اليوم دوري للمناوبة ”
” فهمت.. لكن أخشى أن إناس لا تستطيع أن تجيبك الآن هي مريضة نوعا ما ”
توقف عن الحديث للحظات و كأنه يبحث عن التعبير المناسب، ليستأنف كلامه
” هل حدث لها شيء سيء في المستشفى مؤخرا ؟ لأنها كانت تبدو مرهقة مؤخرا، ثم ساءت حالتها فجأة ”
دب القلق في عروق فهد متسللا إلى قلبه و عقله، ليقول بصوت أشبه بالهمس
” لا، لم يحدث شيء على حد علمي، المعذرة علي إغلاق الخط، أرجو الشفاء العاجل للسيدة إناس ”
شعر كأنه سقط من أعلى تلة، و لا يستوعب ما يجري، صداع شديد غزا رأسه، لكنه شعر بهذا الإحساس من قبل.. نعم، شعر به حين انتهت إجراءات طلاقه من إناس، شعر به حين أخبرته إناس عن طفلهما الذي تخلت عنه، و شعر به حين ابتعد عن سيف، حين نظر إليه أخيرا و كان يلوح له .. شعور مرير
فجأة، فتح الباب و دلفت زوجته، حاملة فطائره المفضلة، صرخ في وجهها بحنق
” إلى متى علي الاستمرار في تذكيرك بطرق الباب قبل الدخول ؟”
شحب وجه زوجته خائفة منه، لم تره كذلك من قبل، ليستأنف صراخه
” لا أريد رؤية وجهك اليوم .. إغربي عن وجهي ”
خرجت زوجته من المكتب و أغلقت الباب خلفها
أما هو فقد ألقى بأول ما وقعت عليه يديه أرضا، تناثرت الأوراق على الأرضية، و شعر بأنه فقد كل شيء جميل في حياته، لم يعد يستطيع التعرف على نفسه، و لا يعرف ما يريده بعد الان.
عند إيناس ..
استعادت إيناس وعيها، و اعتدلت في جلوسها مستندة إلى عارضة السرير، اجتاح رأسها صداع قوي، دلف وليد من باب غرفتها حاملا صينية طعام، وجلس إلى جانبها، كان القلق ما يزال باديا على ملامحه، إبتسمت في وجهه مطمئنة إياه و قالت
” أنا بخير، لا تقلق ”
ليقول مشككا
” هل هناك شيء تريدين إخباري به ؟ ”
أخفضت رأسها تحاول التفكير في ما ستقوله، تخشى أن تندم إن صارحت وليد بالحقيقة، و تخشى أن تندم إن لم تفعل، لتكسر الصمت أخيرا
” مسألة متعلقة بزواجي السابق، لم أستطع تخطيها.. ”
قاطعها وليد قائلا
” حسنا لا بأس، لا داعي لإرهاق نفسك بالتفكير في ذلك، كل شيء سيكون على ما يرام بعد الان ”
أومأت له و أخذت تتناول طعامها بهدوء لتقول
” شكرا لك، الطعام لذيذ جدا ”
عند فهد ..
حمل طفله و جلس على طرف السرير، يتأمله و يقارن في ذهنه، بين ملامحه و ملامح سيف، حين تذكر هذا الأخير، أحس بنفس الشعور الذي انتابه حين سرق زميله لعبته، ذلك الشعور بأن ينتزع أحدهم منك شيئا تحبه، لكن هذه المرة كان الأمر مختلفا، فهو قد نسي تلك اللعبة حين اشترى له والده واحدة أخرى، لكن في وضعه الحالي مهما أصبح لديه من أبناء لن يستطيع تخطي أنه فقد واحدا، أنه لن يستطيع أن يكون أبا لأحد أبنائه، و لا أن يكون قريبا منه، كان ذلك الشعور كحريق في صدره، حريق لن يخمد أبدا. وجهه أصبح مبللا بالدموع، يحق للإنسان أن يعيش لحظات ضعفه من حين لاخر.
قبل الطفل و أعاده إلى مهده، ثم استلقى على السرير ينظر إلى السقف بشرود، عقله كان عند إيناس، يريد الاطمئنان عليها، لكن لا مجال لذلك، لقد فقد حقه في القلق عليها حتى، خرج من حياتها بشكل لن يستطيع العودة إليها أبدا، اعتدل في جلسته و حمل هاتفه، لكنه لم يتجرأ على الاتصال بإناس، لطالما كان جبانا، و لا شيء تغير في ذلك. دخلت زوجته من باب الغرفة، كانت علامات الانزعاج بادية على ملامحها مرفقة بخيبة أمل لانتظارها اعتذارا منه، إلا أنه لم يعتذر، وقفت أمامه في انتظاره أن يتفوه بشيء، فاجأها أخيرا بقوله
” ما الذي تريدينه ريتاج ؟ ”
إبتسمت بسخرية لتجيب
” أ لا تلاحظ غرابة تصرفاتك مؤخرا ؟ ”
” ما بها تصرفاتي ؟ ”
” إنك تتهرب مني .. أو تصب غضبك علي ”
” إن كنت تتعمدين إزعاجي، فصدقا لست في مزاج مناسب للشجار ”
” لا أصدق أنك تلقي بالذنب علي بدل أن تعتذر ”
” لم أخطأ في شيء لأعتذر عنه ”
” لقد فهمت الان لم تخلت عنك زوجتك السابقة ”
إتسعت عينيه، لم يصدق ما قالته، حتى أن صدمته منعته من إجابتها، إنسحبت هي من الغرفة كقنبلة موقوتة، أما هو فظل يستمع لصدى صوتها الذي يتردد في رأسه
” لقد فهمت الان لما تخلت عنك زوجتك السابقة ”
” تخلت عنك زوجتك السابقة ”
” تخلت عنك ”
لطالما منع نفسه من التفكير بتلك الطريقة، بأنها من تخلت عنه، بأنها من ألقت عليه أوراق الطلاق، و اختارت الابتعاد عنه. ربما لأنه اعتقد أنها ستظل ممسكة بيده مهما حدث، و مهما فعل، لكنه كان مخطئا، شعر بنفسه قد انهزم في المعركة، و فقد كل شيء، و كان يوهم نفسه بالسعادة طوال الفترة الماضية، و قد أدرك أخيرا ذلك، أدرك مدى تعاسته.
حمل معطفه و خرج من المنزل غير مهتم بصوت زوجته التي تلقي عليه بأخطائه من المطبخ، و تعاتبه بكل ما أوتيت من ذريعة. يعرف أن غضبها سيتضاعف حين تلاحظ غيابه، لكن ما باليد حيلة، قاد سيارته مبتعدا عن المنزل، متجها إلى مكان هادئ، وقع اختياره على مقهى قديم، ترك أحد المارة عبارة على الجدار الخلفي للمقهى
” من فضلك لا تزعج سلامي إذا كنت في حالة حرب مع نفسك ”
تجاهلذلك و دخل المقهى، تسللت رائحة القهوة إلى أنفه فور دخوله، جلس في أبعد طاولة،منعزلا عن بقية الزبائن، كان المقهى يطل على الشاطئ، منظر جميل و مريح، وضع رأسهعلى الطاولة محاولا الاسترخاء، كان متعبا أكثر من أي وقت مضى، لكنه لم يتوقع أنالنعاس سينال منه و يذهب في رحلة نوم عميق، رحلة نوم أخذت به إلى غرفة مظلمة، حيثكان هو واقفا إلى جانب إناس التي تبكي بحرقة، و أمامهما سيف الذي ينظر إليهمابقسوة و عتاب، بدأت إناس تتوسل الأخير أن يغفر لها، لكنه خرج من الغرفة و أغلقالباب خلفه بقوة، إنتفظ فهد من الكابوس مذعورا، و وجد النادل يحاول إيقاظه. إعتذرمنه، و مسح العرق بمنديل مده له النادل.
العودة إلى نور
وقعت الأوراق من يدها و تناثرت، لتتمتم :
” متطفل .. ”
مر شريط حياتها أمام عينيها، من اليوم الذي تخلت فيه عن طفلها، إلى اليوم الذي تطلق منها زوجها الثاني، أصيبت بنوبة غضب، و أخذت تحطم المزهريات التي بالخزانة و هي تردد :
” بأي حق تكتب ذلك ؟! ”
” أين بقية الفصول أيها المتطفل ؟! ”
حطمت كل المزهريات، و جلست على الأرضية الباردة بعد أن خارت قواها، جسدها يرتجف، و تشعر بأن النيران قد اشتعلت في صدرها، غادرت ذلك المنزل عائدة بسرعة لمنزلها، كانت تبدو للمارة فاقدة لصوابها، و هي تبكي بحرقة و تركض.
وصلت لمنزلها و بدأت تصرخ باسم ” أنور ” و ” نادية ”
تبحث في أرجاء المنزل لكن لا أثر لهما، و لم يكونا في ذلك المنزل يوما، لقد كانا في مخيلتها فحسب، كانا في أحلامها، و حين اشتد الحزن عليها انقلبت الأدوار بين أضغاث أحلامها و واقعها، فصارت ضحية ضجيج عقلها الأخرس، فلم تعد تعرف ما الحقيقي في ما تعيشه.
جلست في ركن ذلك المنزل الذي أصبح كئيبا و مظلما فجأة، و بكت بحرقة، بكت كل المواقف التي عجزت أن تبكي فيها، بكت سنين حياتها التي احترقت بسبب قراراتها الخاطئة، بكت علاقاتها الزوجية الفاشلة، بكت فقدان ابنها، بكت فقدان وظيفتها التي درست بجد لتصل إليها، و بكت العالم الوهمي الذي انهار في بضع دقائق.
يتساءل الإنسان أحيانا لمَ يعذَّب أشد العذاب بينما الآخرين ينعمون بحياة هنيئة، غير مدرك أن الجميع دون استثناء يعيشون صراعات لا حصر لها، لقد كانت نور تعتقد دوما بأن كل ما يحدث لها هو عقاب على تخليها عن الطفل الذي أنجبته، و لو عاد بها الزمن للخلف ما كانت لتفعل ذلك أبدا، إلا أن الإنسان يمر أحيانا بلحظات يرتكب فيها أمورا يتعجب كل العجب أنه قد قام بها، هي تعلم أن ذلك الطفل قد لن يغفر لها أبدا، و ذلك أكثر ما كان يهد سلامها.
جلست نور على حافة سريرها تنظر إلى شهادة إجازتها في المهن التمريضية، لقد كانت في اكتئاب شديد حين قدمت استقالتها، إذ كانت تفكر بأن ضغوط العمل تزيد من حالتها النفسية سوءا، لكن ما كتبه شهاب جعلها تستعيد أملها بأن تجد ابنها إن كان زوجها السابق قد وجده فعلا، زفرت بألم و هي لا تعرف من أين عليها أو تبدأ ترقيع حياتها، ربما من استعادة وظيفتها، و من ثم البحث عن شهاب و زوجها السابق. كانت أفكارها مشتتة لدرجة أنها بالكاد تذكر ما يحدث في حياتها في الآونة الأخيرة. كانت تحاول كثيرا تخيل ملامح ابنها، صوته، إبتسامته، لكن الأمر بات صعبا منذ أن قرأت ما كتبه شهاب، ليته تركها مع أحلام يقظتها و هلاوسها، ليتها تركها مع الشخصيات التي اختلقتها مخيلتها، ربما عندئذ ما كانت لتشعر بكل هذه الوحدة و الذنب.
جمعت أغراضها القليلة و سافرت إلى المدينة حيث تقع شركة زوجها السابق، أو بالأحرى والد ابنها، تجاهلت الفوبيا التي تعاني منها بالسفر على متن الطائرة، و أغمضت عينيها لا تفكر بشيء إلا بالاجتماع بطفلها، ترشحت للقيام بمقابلة عمل في أقرب مستشفى من تلك الشركة، و لم يكن إيجاد منزل للإيجار في تلك المدينة الكبيرة سهلا، لذا فكرت في الإقامة في فندق ريثما تعثر على شقة للإيجار. لم يكن الوصول إلى والد طفلها ( أمير ) بسيطا، إذ أن النجاح الذي حققه كرجل أعمال في السنوات الأخيرة جعله يبتعد عن الأنظار لكي لا يقع ضحية فضول الصحفيين و نشطاء وسائل الإعلام.
إنتظرت في اليوم الأول طوال النهار أمام شركته، و لم يخرج حتى الساعة التاسعة ليلا، لاحظت فورا بأن ملامحه قد تغيرت كثيرا إذ صار هزيلا شاحب الوجه، للحظة اعتقدت بأنه قد لمحها فأدارت له بطهرها و غادرت بخطوات متسارعة إلى أن وصلت إلى مطعم شعبي في آخر الشارع فدخلته. كانت دقات قلبها تتسارع حتى لكأنه سيخرج من قفصها الصدري، و من يراها يعتقد بأنها كانت مطاردة، لكنها في الحقيقة لم تكن جاهزة لمقابلته، لا تعرف كيف ستواجهه، أو كيف ستبرر عودتها لتلك المدينة التي غادرتها في حالة سيئة و عادت إليها في وضع أسوأ، لم تملك الجرأة لتسأله عن مدى صحة ما كتبه شهاب، و عن ابنهما إن كان قد قابله فعلا.
مضت ثلاثة أيام و هي على الحال ذاته، كل ما تفعله هو الوقوف أمام بوابة شركة أمير طوال الطوم و استجماع معلومات عنه، و في الليل تعود للفندق لتتناول العشاء و تخلد للنوم، و في اليوم الرابع تلقت رسالة من المستشفى يخبرونها بموعد المقابلة، و قد كانت بعد ثلاث ساعات فحسب، كانت كافية بأن تستحم، تغير ثيابها، و تمشط شعرها الذي لا تذكر متى كانت آخر مرة اعتنت فيها به، وقفت أمام المرآة تنظر إلى ملامحها المرهقة و قررت بأن تضع مساحيق التجميل لتخفيها، بدا مظهرها حسنا، إبتسمت لثوان حين شعرت بشيء من الحماس كذلك الشعور الذي انتابها حين تخرجت أو حين تم قبولها للعمل لأول مرة، لكن هذه المرة لا تقوم بذلك من أجلها بل من أجل طفلها، من أجل آخر أمل وهبته إياها الحياة.
في اليوم التالي تلقت رسالة نصية تخبرها بأنها قد تم قبولها للعودة إلى وظيفتها، و بأنها يمكنها البدأ منذ اليوم الذي يليه، لقد نجحت في أول خطواتها، لكن الخطوة الأصعب كانت هي مواجهة أمير، كانت تعرف وقت مغادرته مقر عمله، و فور انتهاء أول مناوبة لها راحت تنتظر خروجه، و بينما كان يهم أن يركب سيارته وقعت عينيه عليها، و اتسعتا و كأنه رأى شبحا من الماضي، ربما تعتبر كذلك، أغلب باب السيارة و دنا منها غير مصدق، و في تلك اللحظة بالضبط، اختلقت مخيلتها الهشة صورة أنور، و ظهر من خلف أمير، كان ذلك الطفل الصغير الخيالي ينظر إليها بابتسامة واسعة، كانت تصارع بداخلها تلك الهلاوس لكي لا تبدو مجنونة أمام أمير، لكنه لاحظ ارتباكه و نظرها بدهشة إلى الفراغ، سرت رعدة و شعور غريب بداخله، و قبل أن يدرك ما حدث رحلت مسرعة إلى أن اختفت عن مرمى عينيه. جلس في سيارته ما أن شعر بأن قواه قد خارت و بأنه قد يسقط في أية لحظة من هول الصدمة، و وضع رأسه الذي يكاد ينفجر على المقود ثم شرد في أفكاره المشوشة.
لم تستقر حالتها النفسية بعد تلك اللحظة، و أصيبت بحمى شديدة بعد وصولها للفندق، مصاحبة بحالة من الهذيان، و لولا إحدى عاملات التنظيف بالفندق التي لاحظت حالتها و اتصلت بطبيب لازداد وضعها سوءا.
لم تذهب لمقابلة أمير إلا بعد بضعة أيام كانت قد استجمعت فيها شجاعتها، و ما أن لمحها حتى أدرك أنه لم يكن يهذي ذلك اليوم، عرض عليها مرافقته إلى مكتبه إذ كان يعرف أن الموضوع الذي سيتحدثان به أطول من أن يتمكنا من الحديث به و هما واقفين، لم يعرفا من أين يبدآن الحديث، ليكسر هو الصمت قائلا :
-” سمعت خبر طلاقك، آسف لذلك ”
لتجيبه ببرود
-” علام تتأسف ؟! ليس الأمر و كأنني لم أعش تجربة زواج فاشلة قبلها ”
ابتلع ريقه بمرارة و لم يعرف ما يقوله بعد ذلك، لتظيف نور
-” أريد معرفة مكان ابني ”
بدت الصدمة واضحة على ملامحه و لم يفلح بإخفائها، كما لم يجد جوابا مناسبا، أخذ قنينة ماء صغيرة كان على مكتبه و شرب كمية كبيرة منه دفعة واحدة، ثم قال بهدوء غريب
-” لقد قابلته مرتين، و لم أعد بعد ذلك لرؤيته ”
صمت قليلا ليظيف
-” كان سعيدا إذ وهبته عائلته بالتبني حياة سعيدة دافئة ما كنا لنستطيع تقديمها له ”
كانت نور صامتة حتى أن أمير اعتقد بأنها لا تسمع ما يقوله، لكنه واصل الحديث
-” هو لا يعرف بشأننا .. من الأفضل ألا نقلب حياته رأسا على عقب ”
إرتسمت إبتسامة سخرية على وجه نور ثم قالت
-” أنت آخر شخص يعرف ما هو الأفضل و الأصح للآخرين، لأنك لا تعرف سوى الأنسب لنفسك ”
عجز عن دحض ما قالته، فهو يعرف أن لها الحق في أن تقوله
حاولت تغيير الموضوع لتقليل التوتر، لتقول
-” ما كان هدفك من إخبار شهاب بقصتنا ؟! ”
ليجيب متظاهرا بعدم الفهم
-” شهاب ؟! من ؟! .. ااه نعم ذلك الكاتب غريب الأطوار، لقد قال بأن صديقته تعيش مع شخصيات خيالية بعد فقدان ابنها، و قد كانت قصتها تشبه قصة زوجتي السابقة على نحو غريب، و حين رأيت إصراره على إيجاد سبيل لمساعدتها لم أتردد في مساعدته ”
اعتراها حنق شديد لكن ذاكرتها استوقفتها للتفكير في ما وصفها به شهاب ” صديقة “، هو لم يقل ” خادمته ” بل ” صديقته “، سرعان ما توقفت عن التفكير في ذلك، لتقول بغضب
-” لقد كنت تعرف أنني سآتي لمقابلتك بعد قراءة ذلك ”
فاجأه كلامها، هو لا يعرف تماما السبب الذي دفعه لإخبار شهاب بذلك، أ كان شفقة منه بعد معرفة سوء حالتها النفسية ؟ أم أن شعوره بالذنب هو السبب ؟ أو أنه فعلا أراد رؤيتها ؟
أفاقته من شروده قائلة
-” أين شهاب ؟! ”
إرتبك من سؤالها و شعر بتوتر شديد، لم يعرف هل عليه أن يجيب أم يلتزم بالصمت فحسب، لكن نظرتها المتشككة و إصرارها عليه ليجيب، جعله يقول بأسف مطرقا رأسه
-” لقد أخذ مبلغا كبيرا .. كبيرا جدا .. مقابل أن يتوقف عن كتابة تلك الرواية و عن نبش تلك القصة ”
لم تكن صدمتها أكبر من خيبة أملها قبل أن يظيف بارتباك
-” فعلت زوجتي ذلك حفاظا على استقرار عائلتنا ”
قال ذلك بصوت يكاد لا يسمع، لتدخل نور في هستيريا ضحك، كانت تضحك بقوة جعلت عينيه تمتلآن بالدموع إذ يعرف ما سيأتي بعد تلك الضحكة، و فعلا بدأت تبكي بحرقة خيبتها، ” إستقرار عائلته ” ! يا له من أناني ! كان هذا ما تفكر به و هي تبكي بألم، مسحت دموعها بعنف بعد بضع دقائق لتقول بقسوة آمرة
-” ستسأل زوجتك عن مكان شهاب، و ستبحث عن مكان إبني، أريد أجوبة واضحة حين أعود المرة القادمة، و يستحسن أن تكون أجوبة مرضية، لأنني أعرف جيدا كم تهتم بسمعتك، و أنت تعرف جيدا أنني لا أملك شيئا لأخسره، فخذ ذلك بعين الاعتبار ”
ثم خرجت من مكتبه و دفعت الباب بقوة حتى كاد يسقط
عادت للفندق مرهقة جدا و قد وجدت بفضل عاملة النظافة بالفندق شقة للإيجار، رغم أن حالة تلك الشقة يرثى لها و يبدو أنها مهجورة منذ ما لا يقل عن ثلاث سنوات، لكنها ستفي بالغرض، كانت قد عزمت على الانتقال للسكن فيها في اليوم التالي، و ذلك ما فعلته.
بعد انتهاء مناوبتها بالمستشفى، تناولت وجبة خفيفة في مطعم بسيط، و اتجهت إلى شقتها الجديدة لتنظيفها، و بينما تنظف فكرت بأن عليها أن تذهب لزيارة معالج نفسي في أقرب فرصة، لكنها لا تملك المال الكافي لجلسات العلاج، نفضت الفكرة من رأسها و راحت تنهي عملها.
و بعد بضعة أيام، حين شعرت بأن الوقت مناسبا لتعرف الحقيقة، اتجهت إلى مكتبه، و قد كان بانتظارها، حتى أنه أوصى حارس بوابة الشركة بأن يقودها إليه، و حين قابلته و دون مقدمات قالت
-” لا أريد الجلوس حتى .. هات ما عندك !”
ليجيب
-” ذلك الكاتب قد تبرع بالمبلغ الذي أخذه من زوجتي لبناء دار للأيتام و المتشردين ثم اختفى عن الأنظار، و آخر ما سمعته زوجتي عنه أنه كان ما يزال ينبش في قصتنا ”
صمت قليلا ليظيف
-” سمعت من أحد المصادر أنه أصيب في حادث سير لكن أؤكد لك بأن لا علاقة لزوجتط بالأمر ”
قاطعته قائلة
-” إختصر، لا أريد سماع دفاعك السخيف عن زوجتك ”
ليظيف بعد أن مد لها بورقتي ملاحظات صغيرتين
-” في إحدى الورقتين عنوان المستشفى الذي يرقد فيه ذلك الكاتب، و في الأخرى عنوان العائلة التي تبنت إبننا ”
همت بالمغادرة بعد أن أخذت الورقتين، لكنها التفتت قبل ذلك لتقول
-” حتى لو غفرت لك لن تستطيع أن تغفر لنفسك لأنك لم تستطع أن تكون أبا لأحد أبنائك، و أنا أيضا لست بريئة، غير أن عقلي كاف لمعاقبتي، فقد انقلب ضدي منذ وقت طويل ”
إبتسمت بمرارة جعلت قلب أمير ينقبض و هو يفحص كل كلمة قالتها في عقله، ثم رحلت تاركة إياه يتخبط في ظلام حاضره، لم يرها أبدا بعد ذلك اليوم، و تابع حياته محاولا تجاهل الماضي رغم أنه يعرف أن ذلك مستحيل.
ذهبت نور أخيرا لمقابلة شهاب، كان قد تم تسجيله كشخص مجهول الهوية، و كان في قسم الإنعاش، و لم يعرفوا هويته إلى أن استفاق. لم تكن تعرف ما عليها أن تسأله، أو ما ستقوله، و لم تكلف نفسها عناء التفكير في ذلك. حين دخلت غرفته بالمستشفى رفع حاجبه مستغربا، لم يتوقع أن تكون هي أول من تأتي لزيارته، و لا أول من تجده. و أول ما لاحظته نور هو أنه أفضل حالا مما اعتقدت، حين لاحظ ارتباكها قال بهدوء:
– وجدتِ تلك الرواية
أومأت إيجابا، ليعتدل في جلسته و يقول :
– لقد كنت متجها ذلك اليوم إلى إحدى دور النشر لكنني أصبت في حادث سير
سكت قليلا قبل أن يضيف
– ” يبدو أن القدر لا يريد أن تظهر تلك القصة للعلن ”
جلست على الكرسي إلى جانبه لتقول :
– كيف عرفت كل تلك التفاصيل ؟!
بلع ريقه ليجيب :
– ” في ذلك اليوم الذي طلبت مني المساعدة فيه بالبحث عن إبنك، أدركت بدخول منزلك أن شيئا غريبا يحدث، لم أعر الأمر اهتماما في البداية، لكن تصرفاتك كانت تزداد غرابة يوما بعد آخر، حين سألت جيرانك أخبروني بأنك تعيشين بمفردك في ذلك المنزل، و أن لا أقرباء لك لا من قريب أو بعيد. شعرت حينها بالفضول لمعرفة ما تخفينه، و قادني البحث إلى زوجك الأول، و هو الذي مدّني بتفاصيل ما حدث ”
صمت قليلا ليستأنف كلامه
– ” أعتذر لأنني استغللت قصتك .. لن أنشرها ”
كان الصمت سيد الموقف إلى أن كسرته نور قائلة بصوت أشبه بالهمس:
– ” ما زالت علبة الحبوب المنومة التي أعطيتها لك كما هي، لابد أنك اعتقدت بأنني مجنونة و قد أقوم بتسميمك ”
ليقاطعها قائلا
– ” لم أفكر يوما بك سوى كامرأة قوية، ما تزال واقفة على رجليها حتى بعد كل ما واجهته في حياتها ”
كان ذلك آخر يوم تقابل
فيه نور شهاب، منحته الإذن بنشر الرواية قبل أن تغادر غرفته، لتغادر بعد ذلك تلك المدينة، و ترحل بعيدا إلى حيث يتواجد ابنها، قريبة منه و بعيدة عنه في الوقت ذاته، كانت قد توصلت إلى قرار مع والديه بالتبني بأن يخبروه بالحقيقة بعد أن تنهي نور حصص علاجها النفسي، و بناءا على ردة فعل الطفل سيقررون من سيحتفظ بحضانته. أما شهاب فقد وجد سعادته في السفر حول العالم و البحث عن قصص جديدة لكتابتها، بعد أن حققت روايته ” أضغاث أحلام ” نجاحا ساحقا. أدرك الإثنان بأن لا مهرب من الواقع و أن التغلب على العقبات لا يتم إلا بمجابهتها .
Views: 28

