مدير النشر ـ هشام العباسي
منذ نشأتها التاريخية، ظلت مدينة السمارة تتبوأ مكانة متميزة في عمق الصحراء المغربية، باعتبارها العاصمة العلمية والروحية، و واحدة من الحواضر التي جمعت بين الأصالة والمعرفة والعمران، فهي همزة وصل بين شمال المملكة و عمقها الإفريقي، حيث تجسد في معالمها و تراثها ذاكرة غنية بالعلم والدين والثقافة.
هذه المدينة العريقة، التي أسسها المجاهدون والعلماء، مثل الشيخ الكبير سيدي أحمد الركيبي، تواصل اليوم مسيرة البناء والتألق بروح متجددة يومًا بعد يوم، حيث تشهد حركية غير مسبوقة استعدادًا للاحتفالات بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، وقد شملت هذه العمليات أعمال النظافة، التبليط، والصباغة في مختلف الشوارع والأزقة الرئيسية، ما بعث روحًا جديدة في المدينة وأدخل التفاؤل في نفوس الساكنة التي استبشرت خيرًا بهذه الدينامية.

هذه الحملة، التي يقف وراءها تضافر جهود السلطات الإقليمية وجماعة السمارة، تجسد صورة مشرقة للتعاون بين الإدارة والمواطن، إذ ساهم العديد من السكان بصباغة واجهات منازلهم على نفقتهم الخاصة، فيما بادر آخرون إلى تبليط الأرصفة في محيط مساكنهم في تجاوب إيجابي مع المبادرات المحلية.
لكن هذا المشهد المبهج يثير أيضًا تساؤلات مشروعة حول مدى شمول هذه الحركية النوعية لباقي أحياء المدينة، خاصة تلك البعيدة عن الواجهة أو خارج نطاق الاحتفالات. فهناك مناطق مثل حي الوحدة (العائدين) وحي السكنى والتعمير، التي ما تزال تعاني من ضعف البنيات التحتية وتراجع مستوى الخدمات، بل إن بعضها عرف في الأشهر الأخيرة تسربات لمياه الصرف الصحي إلى المنازل، ما أثار احتجاجات متكررة من طرف السكان.

ويتخوف بعض المتتبعين أن تنحصر عمليات التزيين والنظافة في فترة الاحتفالات فقط، لتعود الأمور بعد السادس من نوفمبر إلى حالها السابق، في ظل غياب رؤية مستدامة تضمن استمرار وتيرة الإصلاح والتأهيل بنفس الحماس.
ومع ذلك، فإن الهدف من هذه التساؤلات ليس التقليل من الجهود المبذولة، بل هو دعوة صادقة إلى تعميم هذا النفس التنموي على جميع أحياء السمارة، حتى لا يصبح المشهد كما يقال: “المزوق من برا آش خبارك من الداخل.”

فالجهود المبذولة اليوم في السمارة لا تقتصر على تحسين المظهر العام، بل تعكس وعياً مؤسساتيًا بضرورة جعل التنمية متواصلة لا موسمية، وتحقيق العدالة المجالية بين مركز المدينة وأحيائها الهامشية، وترسيخ ثقافة المشاركة والمسؤولية المشتركة بين الإدارة والمواطن، حتى لا تتحول لحظات الاحتفال إلى مجرد فواصل زمنية مؤقتة، بل إلى محطات انطلاق لمشاريع تضمن استدامة التقدم والنظافة والجمال في عمق الحياة اليومية للمدينة.

المنظومة المحلية يسجَّل لها بصمة واضحة في تحسين صورة المدينة، بفضل المتابعة اليومية لعامل الإقليم، الذي لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ويشرف عليها ميدانيًا، إلى جانب الكاتب العام المعروف بدماثة أخلاقه وتفانيه في أداء المهام الصعبة بصمت، ورئيس جماعة السمارة الذي يسعى بلا كلل لجلب شراكات جهوية ومركزية لدعم المشاريع التنموية، مع دفاعه الدائم عن قضايا الوحدة الوطنية في مختلف المحافل الدولية.

ولا يمكن إغفال الدور الكبير الذي يقوم به رجال السلطة المحلية وموظفو المصالح الخارجية، وأعوان السلطة، وعمال الإنعاش الوطني، الذين يواكبون هذه الدينامية على أرض الواقع، مما يعكس تناغمًا مؤسساتيًا يستحق التقدير.
ويرى متابعون أن ما تشهده السمارة من تعبئة ميدانية واسعة يدخل ضمن الدينامية التنموية الكبرى التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة، في إطار النموذج التنموي الجديد الذي أطلقه الملك محمد السادس، القائم على ترسيخ الجهوية المتقدمة وربط التنمية بالمردودية الميدانية، خصوصًا مع قرب افتتاح معبر بيرام كرين الحدودي مع موريتانيا، الذي من المرتقب أن يفتح آفاقًا اقتصادية وتجارية وسياحية واسعة.

ويؤكد فاعلون أن استدامة هذا الحراك التنموي تستدعي توسيع الاهتمام ليشمل أيضًا المنظومة الصحية التي تعاني من ضعف كبير على مستوى التجهيزات والموارد البشرية، إذ يشتكي السكان من قلة الأطباء المتخصصين وغياب طبيب التخدير والولادة في بعض الفترات، حتى بات المستشفى الإقليمي يُلقَّب محليًا بـ«المحطة»، في إشارة إلى محدودية خدماته.

كما دعا هؤلاء إلى جلب رؤوس الأموال وتشجيع الاستثمار المحلي، مبرزين أن عدداً من أبناء المدينة يفضلون توجيه استثماراتهم خارج الإقليم لغياب التحفيزات والفرص الجاذبة، حتى تظل المدينة نموذجًا متوازنًا للتنمية في الصحراء المغربية، لا لوحة جميلة تُرسم فقط في موسم الأعياد الوطنية.
ويختم أحد الفاعلين الجمعويين حديثه قائلًا:
«نحن لا ننتقد من باب الاعتراض، بل من باب الغيرة على مدينتنا. نريد أن تستمر هذه الحيوية بعد المسيرة، وأن تمتد إلى كل حي وزقاق، لأن السمارة تستحق أن تكون جميلة في المظهر، ومتوازنة في الجوهر»، حتى نقول بكل فخر: “We love Smara”.
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
Views: 13


