السمارة ـ مدير النشر
في السمارة، لا داعي لكثير من التحليل لفهم ما يقع. لا تحتاج إلى تقارير، ولا إلى خبراء اقتصاد. يكفي أن تفتح عينيك جيدا لترى الحقيقة كما هي: بطالة تخنق الشباب، مشاريع محتكرة، فرص معلقة، وغلاء يلتهم ما تبقى من القدرة على العيش، في مشهد يومي تتعايش معه الساكنة كما لو أنه قدر لا مفر منه. غير أن الحقيقة، التي قد تبدو قاسية للبعض، هي أن ما نعيشه اليوم ليس سوى نتيجة طبيعية لاختيارات الأمس.
الحديث عن لوبيات الفساد واحتكار الثروة وتهميش الشباب أصبح لازمة متكررة في كل نقاش عمومي. لكن، في مقابل ذلك، نادرا ما يتم طرح السؤال الجوهري: من يمنح هذه اللوبيات شرعية الاستمرار؟ ومن يفتح لها أبواب التحكم في دواليب القرار المحلي؟
الجواب لا يحتاج إلى كثير من التحليل. إنه يبدأ من صناديق الاقتراع.
في كل محطة انتخابية، يتكرر نفس السيناريو. جزء مهم من الناخبين لا يصوت بناء على برامج أو كفاءات، بل وفق اعتبارات ضيقة تحكمها القبلية وروابط القرابة. “هذا ولد عمي”، “هذا من لخوال”، عبارات تختزل مسارا ديمقراطيا بأكمله في منطق بدائي، يعيد إنتاج نفس النخب ونفس الاختلالات كل خمس سنوات.
الأخطر من ذلك هو حين يتحول الصوت الانتخابي إلى سلعة تُباع وتُشترى. ألف درهم، أو أقل أو أكثر، كفيلة في نظر البعض بحسم الاختيار. في تلك اللحظة، لا يكون الأمر مجرد مخالفة قانونية، بل توقيع ضمني على عقد اجتماعي مختل، عنوانه الأبرز: التنازل عن الحق في المحاسبة مقابل منفعة آنية زائلة.
فبأي منطق يمكن لمن باع صوته أن يطالب لاحقا بالتشغيل؟ وبأي حق ينتقد الغلاء من اختار، عن وعي أو غير وعي، من يساهم في تكريسه؟ إنها مفارقة صارخة، تعكس عمق الأزمة التي لا تكمن فقط في من يتولون المسؤولية، بل أيضا في الطريقة التي يصلون بها إليها.
لا أحد ينكر مسؤولية الدولة في تحقيق التنمية وضمان تكافؤ الفرص، كما لا يمكن تبرئة الفاعلين السياسيين من اختلالات التدبير وسوء الحكامة. لكن، في المقابل، لا يمكن إغفال دور الناخب، باعتباره الحلقة الأولى في هذا المسار.
فاللوبيات لا تنشأ من فراغ، بل تتغذى من واقع يسمح لها بالتمدد، واقع يجد فيه الفساد بيئة حاضنة حين يصبح شراء الأصوات أمرا عاديا، وحين تغيب ثقافة الاختيار المبني على الكفاءة والمحاسبة.
لكن المفارقة الأكثر إيلاما… أن حتى “ثمن الصوت” لم يعد واحدا.
نعم، داخل نفس المدينة، هناك ميزانان:
فئة تُدفع لها مبالغ أعلى، كما هو الحال في مخيمات الوحدة سابقا (القطب الحضاري حاليا)، حيث تُرفع التسعيرة وتُضخ الأموال أكثر، وتُعامل الكتلة الناخبة كرقم انتخابي يجب كسبه بأي ثمن.
أما داخل المدينة، فالوضع مختلف: نصف المبلغ… ونصف الاهتمام… ونصف القيمة. وكأننا أمام واقع صادم: مدينة واحدة… لكن بسعرين.
مواطنون بصوت واحد… لكن بقيمة مختلفة. هذا ليس فقط فسادا انتخابيا، بل اختلال عميق في ميزان الكرامة.
أن يُشترى صوتك جريمة في حق الديمقراطية، لكن أن يُشترى بثمن أقل من غيرك، فذلك إعلان صريح بأنك في مرتبة أدنى في حسابات الفساد نفسه.
ومع ذلك، يستمر نفس السلوك: نبيع… ثم نشتكي. نختار… ثم نتبرأ من الاختيار. المعادلة واضحة ولا تحتاج إلى تفسير:
1000 درهم في مخيمات الوحدة = خمس سنوات من نفس الوجوه نصفها في المدينة = نفس المصير… لكن بإهانة مضاعفة
هذه ليست شعارات، بل واقع يُعاد إنتاجه كل خمس سنوات بنفس الأدوات ونفس الأخطاء.
التغيير لا يبدأ من المسؤولين، ولا من البرامج، بل من لحظة واحدة: أن ترفض أن تكون رقما في سوق الأصوات.
- أن تقول “لا”:
- لا لبيع الصوت،
- لا للعصبية القبلية،
- لا لمرشحين بلا كفاءة.
التغيير، في نهاية المطاف، لا يبدأ من المكاتب المكيفة، ولا من الوعود الانتخابية الرنانة، بل يبدأ من وعي بسيط لكنه حاسم: أن الصوت أمانة.
حينها فقط، يمكن أن نتحدث عن السمارة واحدة…
بكرامة واحدة…وبمستقبل لا يُباع ولا يُشترى.
Views: 35

