في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها قضية الصحراء المغربية، سواء على مستوى المواقف الدولية أو الديناميات الإقليمية، يبرز مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب كإطار سياسي متكامل يسعى إلى التوفيق بين متطلبات السيادة الوطنية وضرورات الاستقرار والتنمية المستدامة في منطقة تتسم بحساسية جيوسياسية خاصة.
وقد انتقل هذا المقترح، منذ طرحه، من كونه مبادرة سياسية إلى مشروع استراتيجي متكامل، يستند إلى مقاربة واقعية تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات النزاع، وتستجيب في الوقت ذاته لتطلعات الساكنة المحلية في تدبير شؤونها ضمن إطار الدولة المغربية الموحدة.
يأتي طرح الحكم الذاتي في سياق دولي يتسم بتزايد الدعوات إلى حلول عملية للنزاعات الإقليمية الممتدة، بعيداً عن الطروحات التي أثبتت محدوديتها. وفي هذا الإطار، حظي المقترح المغربي بدعم متنامٍ من عدد من القوى الدولية، التي اعتبرته أساساً جاداً وذا مصداقية للتوصل إلى تسوية سياسية نهائية، تحفظ الاستقرار الإقليمي وتحد من بؤر التوتر في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.
ويرتكز هذا التصور على معادلة دقيقة تقوم على الحفاظ على وحدة التراب الوطني، مقابل تمكين الساكنة المحلية من صلاحيات واسعة في تدبير شؤونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يعزز الثقة ويكرس منطق المشاركة.
من الناحية المؤسساتية، يقوم مشروع الحكم الذاتي على إرساء هياكل جهوية منتخبة، تشمل برلماناً جهوياً وحكومة محلية، تتولى تدبير القطاعات ذات الطابع التنموي والاجتماعي، في حين تحتفظ الدولة المركزية بالاختصاصات السيادية، وعلى رأسها الدفاع والعلاقات الخارجية والسياسة النقدية.

ويعكس هذا النموذج توجهاً مغربياً نحو ترسيخ اللامركزية المتقدمة، بما ينسجم مع مقتضيات دستور 2011، ويتيح توزيعاً متوازناً للصلاحيات بين المركز والجهات، دون المساس بوحدة الدولة.
وفي هذا السياق، تشكل الرؤية التي يقودها العاهل المغربي الملك محمد السادس ركيزة أساسية لهذا المشروع، من خلال التركيز على الحكامة الجيدة، والتنمية المندمجة، وتعزيز المشاركة السياسية المحلية، بما يحول الحكم الذاتي إلى إطار فعلي لتدبير الشأن العام، وليس مجرد صيغة نظرية.
يرتبط نجاح مشروع الحكم الذاتي ارتباطاً وثيقاً بالبعد التنموي. وقد راهن المغرب خلال السنوات الأخيرة على تحويل الأقاليم الجنوبية إلى فضاء اقتصادي واعد، عبر استثمارات كبيرة في البنية التحتية، والموانئ، والطاقات المتجددة، والسياحة، إضافة إلى دعم المبادرات الخاصة والمقاولات المحلية.
وأسهم هذا التوجه في تحسين المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية، وخلق فرص شغل جديدة، وتعزيز اندماج المنطقة في محيطها الوطني والإقليمي، بما يجعل التنمية أحد أهم روافع الاستقرار طويل الأمد.
إلى جانب الأبعاد السياسية والاقتصادية، يولي مشروع الحكم الذاتي أهمية خاصة للبعد الثقافي، من خلال صون الموروث الحساني باعتباره مكوناً أساسياً من الهوية المغربية. ويُنظر إلى هذا التوجه كعنصر داعم للتماسك الاجتماعي، ومساهم في ترسيخ الشعور بالانتماء الوطني ضمن إطار التنوع الثقافي.

من منظور مغاربة العالم، يفتح مشروع الحكم الذاتي آفاقاً أوسع لتعزيز مساهمتهم في تنمية الأقاليم الجنوبية، سواء عبر الاستثمار أو نقل الخبرات أو دعم المواقف الوطنية في المحافل الدولية، في إطار ما بات يُعرف بالدبلوماسية الموازية.
يقدم مقترح الحكم الذاتي في الصحراء المغربية نفسه اليوم كخيار استراتيجي يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين السيادة الوطنية ومتطلبات التنمية والاستقرار. وهو يعكس مقاربة براغماتية تراهن على الحلول الواقعية، وتضع الإنسان والتنمية في صلب أي تسوية سياسية مستدامة، بما يجعل منه نموذجاً قابلاً للنقاش والاهتمام على المستويين الإقليمي والدولي.
Views: 19

