اخباري ـ هشام العباسي
بينما تقترب عقارب الساعة من استحقاقات شتنبر 2026، تطفو على سطح المشهد السياسي في الأقاليم الجنوبية للمملكة مفارقة صارخة؛ ففي الوقت الذي تشهد فيه هذه الأقاليم نهضة تنموية وبنيوية متسارعة، يبدو المشهد الحزبي”كأنه يقبع في جزر منعزلة زمنياً. فالتحضيرات للانتخابات القادمة في الصحراء المغربية تكشف عن هوة سحيقة بين المنهجية التقليدية التي تعتمدها الأحزاب، وبين الناخب الجديد الذي يراقب المشهد من خلف شاشات الهواتف الذكية.
فالمطبخ الحزبي الذي يقرر تزكية” المرشحين بناءً على الولاء والقدرة على الحشد التقليدي، يتجاهل حقيقة أن القاعدة الانتخابية في العيون، الداخلة، السمارة، وباقي المدن الجنوبية، قد تغيرت تركيبتها الديموغرافية والذهنية. لم يعد الشاب الصحراوي، الذي يتابع ما يحدث في العالم لحظة بلحظة عبر تيك توك و الفايسبوك، يتقبل بسهولة منطق التزكيات الجاهزة التي تُفرض عليه من المركز في الرباط أو حتى من داخل الخيمة الانتخابية التقليدية، حيث تلعب التوازنات القبلية والاجتماعية دوراً في العملية الانتخابية و تراهن على “الأعيان” ووجهاء القبائل لضمان الأصوات. هذا النهج، الذي كان يؤتي أكله في السابق، بات اليوم يواجه تحدياً وجودياً.
المثير للاستغراب هو غياب “الاستراتيجية الرقمية” للأحزاب في جهاتنا الجنوبية. في وقت يقضي فيه الناخب الشاب ساعات في الفضاء الافتراضي، لا تزال الحملات الحزبية في الجنوب تراهن على الأسلوب الكلاسيكي: الملصق الورقي الباهت، واللقاءات المنغلقة.
فالناخب الرقمي اليوم بالجنوب لا يبحث عن وعود فضفاضة حول التنمية و التشغيل؛ فهو يرى التنمية بأم عينيه في البنيات التحتية التي تُنجز. انا الشغل فيعلم أنه غير مخصص له بل لأبناء النخب ما يبحث عنه هو السياسي الذي يخاطب عقله، الذي يمتلك الجرأة لتقديم أرقام، والذي يفتح باب المحاسبة. الصمت الذي يبديه شباب هذه المناطق ليس ضعفاً، بل هو ترقب حذر، وتحول تدريجي نحو العزوف الاحتجاجي الذي قد يكون أكثر تأثيراً من المشاركة في عملية التي يراها البعض محسومة النتائج سلفا.
فالأقاليم الجنوبية تكتسي أهمية استراتيجية كبرى، لا تقتصر على بعدها الجغرافي، بل تمتد لكونها واجهة دبلوماسية وتنموية للمغرب. لذلك، فإن استمرار اعتماد ديمقراطية الواجهة – حيث يتم تهميش الطاقات الشابة والكفاءات الأكاديمية لصالح “الكوطا” الشكلية أو الولاءات الضيقة الذي يمثل خطراً حقيقياً على التراكمات السياسية التي تحققت، سيجد نفسه قريباً في مواجهة مع قاضٍ لا يرحم، وهو الناخب الجديد الذي يمتلك سلطة الهاتف الذكي. هذا الناخب لا تنطلي عليه أساليب “معونات شهر رمضان وعيد الاضحى” أو الولائم الموسمية؛ هوا يبحث عن رؤية واضحة للتدبير المحلي، وعن دور حقيقي في صناعة القرار.
إذا أرادت الأحزاب أن تضمن مشاركة وازنة وفعالة، فعليها أن تدرك أن ناخب 2026 في الأقاليم الجنوبية ليس هو ناخب 2021. إنه ناخب ذكي، متصل بالعالم، ومؤمن بأن صوته أمانة. فإن لم تتغير الأساليب، فإن التغيير الحقيقي قد يأتي من خارج صناديق الاقتراع، في شكل صمت يُترجم إلى عزوف كاسح، يعيد ترتيب الأوراق، ويفضح عجز العقل الاستراتيجي الحزبي عن مواكبة التحولات المجتمعية العميقة التي تعيشها الصحراء المغربية.
Views: 2

