اخباري ـ هشام العباسي
منذ الإعلان عن استضافة البطولة، لم يتأخر ظهور حملات تشكيك منظمة، قادتها منصات معروفة بعدائها، مدعومة بحسابات إلكترونية ومواقع وظّفت أدوات التضليل وقلب الوقائع. استُهدف التحكيم، وشُكّك في التنظيم، وجرى الطعن حتى في نوايا البلد المنظم، في محاولة مكشوفة لتسميم الأجواء وتشويه تجربة رياضية وتنظيمية أبهرت القارة الإفريقية ونالت إشادة دولية واسعة.
هذا الهجوم لم يكن عابرًا ولا وليد لحظة انفعال، بل يندرج ضمن نمط متكرر يُفعَّل كلما حقق المغرب نجاحًا يتجاوز محيطه الإقليمي، أو راكم إنجازًا يكرّس حضوره كقوة تنظيمية ورياضية وازنة في الفضاءين الإفريقي والدولي.
غير أن ما يلفت الانتباه، في مقابل هذا الهجوم المنظم، هو الغياب اللافت لوزارة الاتصال أو التواصل، التي كان من المفترض أن تقود تنسيقًا وطنيًا محكمًا، يقوم على خطة استباقية، وخطاب موحد، وتعبئة شاملة للإعلام العمومي والخاص. إلا أن الوزارة اختارت موقع المتفرج، تاركة المؤسسات الإعلامية تشتغل دون بوصلة واضحة أو توجيه استراتيجي، في لحظة كانت تتطلب أعلى درجات اليقظة.
ويثير هذا الغياب تساؤلات مشروعة، خصوصًا بعد سنوات من الخطاب الرسمي حول “إصلاح الإعلام” و”تأهيل القطب العمومي”، دون أن ينعكس ذلك فعليًا في لحظة اختبار حقيقية، حيث تُقاس النوايا بالقرارات، والشعارات بالفعل الميداني.
كان من المفترض أن يشكّل الإعلام العمومي خط الدفاع الأول عن صورة البلاد. غير أن الواقع كشف عن فراغ مقلق. فالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة (SNRT)، بكل قنواتها وإذاعاتها، بدت وكأنها خارج سياق المعركة، مكتفية بتغطيات تقليدية لا ترقى إلى حجم الحدث ولا إلى رهاناته.
بلاتوهات باردة، نقاشات معزولة عن السياق الإقليمي والدولي، وغياب شبه تام للرواية المغربية في الفضاء القاري والعالمي. وكأن البطولة تُبث داخل دائرة مغلقة، بينما كانت صورة المغرب تتعرض للاستهداف خارجها، دون رد مكافئ أو خطاب مضاد فعّال.
هنا يبرز السؤال الجوهري حول دور القطب العمومي ورئيسه في هذه اللحظة المفصلية. فالإشكال لم يكن تقنيًا، ولا مرتبطًا بالإمكانيات البشرية أو اللوجستية، بل كان في جوهره إشكال رؤية وقرار. الإعلام العمومي اشتغل بعقلية التسيير الإداري، لا بعقلية المعركة الإعلامية.
أكثر من ربع قرن من التسيير في قطاع سريع التحول، دون تجديد عميق في أدوات الاشتغال أو في فهم طبيعة الصراعات الإعلامية الحديثة، جعل القطب العمومي عاجزًا عن مواكبة زمن السرعة، حيث تُصنع القناعات في دقائق، وتُقلب الحقائق في ثوانٍ عبر المنصات العابرة للحدود.
في المقابل، اشتغل الإعلام الجزائري، الرسمي وشبه الرسمي، بمنطق تعبوي واضح. جرى التشكيك في النتائج، وادُّعي استهداف الفريق الجزائري، وروّجت روايات عن تحكيم منحاز دون أي سند موضوعي. تم قلب الوقائع بشكل فج، في محاولة لتغذية الغضب وبناء سردية “الضحية”، تخدم أجندات داخلية أكثر مما تعكس حقيقة ما جرى على أرض الملعب.
وفي هذا السياق، برزت تعليقات بعض الأصوات الإعلامية، التي تجاوزت حدود التحليل الرياضي، واتسمت بنبرة تحريضية ومشحونة، انسجمت بوضوح مع الخط التحريري العام للإعلام الجزائري، القائم على تأجيج الضغائن بدل احترام قواعد المنافسة الرياضية.
اللافت أيضًا كان الغياب غير المبرر لعدد من المؤثرين المغاربة، الذين ينشطون بكثافة في القضايا الهامشية، لكنهم آثروا الصمت حين تعلق الأمر بصورة الوطن. الدفاع عن صورة البلاد ليس “ترندًا” عابرًا، بل مسؤولية تتطلب وعيًا بالسياق وفهمًا لطبيعة الصراع الرمزي.
أما بعض المؤثرين الذين استفادوا من صفقات الدعم، فقد بدوا وكأنهم ينتمون إلى فضاء منفصل عن الواقع الوطني، يراقبون بصمت خرجات مؤثرين من دول خصوم، أثناء البطولة وبعدها، دون أي تفاعل يُذكر.
ما وقع خلال كأس إفريقيا لا ينبغي التعامل معه كحادثة معزولة، بل كإنذار مبكر. فالمغرب مقبل على استحقاقات أكبر، وفي مقدمتها مونديال 2030، حيث ستكون المعركة الإعلامية أشد وأوسع نطاقًا.
النجاح في التنظيم، مهما بلغ مستواه، لا يكفي إن لم يُحمَ إعلاميًا. والإنجاز الذي لا يُروى بذكاء وقوة، يُترك عرضة للتشويه. من هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة جذرية لدور الإعلام العمومي، ولطريقة اشتغال SNRT، ولمسؤولية القطب العمومي، بعيدًا عن منطق التسيير الروتيني، وقريبًا من منطق الدفاع الاستراتيجي عن صورة الدولة.
في عالم اليوم، لم تعد معركة الصورة ترفًا، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من السيادة. من ينجح دون أن يحمي روايته، يفسح المجال لخصومه كي يكتبوا عنه ما يشاؤون.
المغرب يحتاج إلى إعلام حي، جريء، واستباقي، يدرك أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالصمت، ولا بالحياد الزائف، بل بسرد الحقيقة بذكاء وقوة.
لأن الدول لا تُقاس فقط بما تنجزه… بل أيضًا بكيفية دفاعها عنه.
Views: 19

