اخباري ـ هشام العباسي
تشير معطيات المرحلة الراهنة إلى بروز حزب الاستقلال من جديد كفاعل محوري داخل المشهد السياسي المغربي، في سياق يتسم بتراجع أداء عدد من الأحزاب، وعلى رأسها حزب التجمع الوطني للأحرار، وما رافق ذلك من اهتزاز واضح في منسوب الثقة السياسية لدى شرائح واسعة من الرأي العام.
ويُنظر إلى حزب الاستقلال، بحكم رصيده التاريخي وبنيته التنظيمية المتجذرة، باعتباره من بين القوى القليلة القادرة على مواكبة التحولات الجارية وملء الفراغ السياسي الذي بدأ يتشكل تدريجياً. وقد مكّنه خطابه المحافظ المعتدل، إلى جانب حضوره المؤسساتي داخل التحالف الحكومي، من الحفاظ على تموقع متوازن يسمح له بتقديم نفسه خياراً سياسياً واقعياً من داخل النسق المؤسساتي، دون القطيعة مع الدولة أو الارتهان لمنطق الشعبوية.
ويرى متابعون أن الحزب استفاد من اعتماد منهجية “النَّفَس الطويل” والتراكم التنظيمي، سواء على مستوى إعادة هيكلة أجهزته أو تأطير الشبيبة وتجديد خطابه السياسي، وهو ما تُرجم في التحاق فئات جديدة بالحزب عن قناعة، بعيداً عن منطق الاستقطاب الظرفي أو المالي. كما يشكل امتداده النقابي والمهني أحد أبرز عناصر قوته، بما يعزز حضوره في النقاش الاجتماعي وقدرته التفاوضية مقارنة بأحزاب تفتقر إلى هذا العمق.
في المقابل، تواجه أحزاب منافسة اختلالات متعددة، تتراوح بين أزمات تنظيمية وتداعيات قرارات حكومية وقانونية خلّفت احتقاناً واسعاً في أوساط مهنية ومدنية، ما صعّب من قدرتها على استعادة ثقة الناخبين. ويعزز هذا السياق فرضية لجوء جزء من الكتلة الناخبة إلى تصويت عقابي في الاستحقاقات المقبلة، قد يكون حزب الاستقلال أبرز المستفيدين منه.
وتتزامن هذه التحولات مع تشديد متزايد في مراقبة الممارسات غير المشروعة المرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية، ما يحدّ من تأثير المال السياسي والعمل الاجتماعي الموسمي، ويعيد الاعتبار للأحزاب القادرة على الإقناع وبناء خطاب متماسك يستجيب لانتظارات الشارع.
في السياق ذاته، تتكرس ملامح تحول إضافي داخل الحقل السياسي، على خلفية تصاعد الاتهامات الموجّهة إلى قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، وما ترتب عنها من تداعيات سياسية ومؤسساتية أثّرت على صورة الحزب ومصداقيته لدى الرأي العام. ولا يتعلق الأمر، وفق متابعين، بصراعات داخلية بين القيادات، بقدر ما هو تشكيك متنامٍ في اختيارات القيادة وتوجهاتها.
وقد أثقلت حصيلة عدد من وزراء الحزب كاهل “البام”، سواء من خلال أزمات غير مسبوقة عرفتها قطاعات حيوية، أو عبر قرارات أثارت جدلاً واسعاً في أوساط مهنية وحقوقية وإعلامية. وهو ما أدخل الحزب في مواجهات مفتوحة مع فاعلين مؤثرين، وأضعف قدرته على تقديم نفسه كبديل سياسي مقنع في المرحلة المقبلة، رغم محاولات ترتيب البيت الداخلي.
وعلى الجهة الأخرى، يمر حزب التجمع الوطني للأحرار بمرحلة دقيقة، بعد أن بنى خطابه الانتخابي خلال استحقاقات 2021 على وعود كبرى بالنجاعة والفعالية، لا سيما في مجال التشغيل وتحسين القدرة الشرائية، قبل أن تصطدم تلك الوعود بواقع اقتصادي واجتماعي صعب، زاد من منسوب الإحباط لدى فئات واسعة من المواطنين.
ويجمع مراقبون على أن جزءاً كبيراً من الخطاب الذي روّج له الحزب لم يجد طريقه إلى التنزيل، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتنامي البطالة وتراجع الثقة في الأداء الحكومي، باستثناء بعض المشاريع الملكية الكبرى التي ساهمت في التخفيف الجزئي من حدة الأزمة.
كما أن الارتباط الحزبي الشديد بشخص القيادة، وما رافقه من حسابات وصولية وانتهازية، أضعف البنية الداخلية للحزب، وجعل أي محاولة لإعادة إنتاج القيادة أو التحكم في الحزب عن بعد محل تشكيك واسع، في ظل غياب هيكلة قوية قادرة على فرض الاستمرارية.
في المقابل، يبدو حزب الاستقلال، بقيادة نزار بركة وأعضاء مكتبه السياسي، مستفيداً من منهجية التراكم والتنظيم والروابط التاريخية، وهو ما انعكس على مستوى تدبيره الداخلي، وبرامجه، وتأطيره للشبيبة، حتى قبل التحولات السياسية الأخيرة. وقد ساهم ذلك في رفع منسوب الثقة لدى فئات شبابية التحقت بالحزب عن اقتناع، دون منطق الاستقطاب.
كما نجح الحزب، كجزء من التحالف الحكومي، في الحفاظ على تموقعه وخلق مسافة أمان سياسية تخوّل له تقديم نفسه كبديل محتمل في أي لحظة، ليس باعتباره حزباً وُلد في رحم الإدارة، بل كقوة سياسية واعية بدورها التاريخي ومعنى الاستقلال السياسي، خاصة في سياق رهانات كبرى تفرضها المرحلة المقبلة.
وبناءً على هذه المعطيات، يرى مراقبون أن حزب الاستقلال يوجد اليوم في موقع متقدم يؤهله للاضطلاع بدور قيادي في المرحلة المقبلة، شريطة الحفاظ على وحدته الداخلية، وتعزيز خطابه الاجتماعي، والاستجابة لتطلعات الشباب والطبقة المتوسطة، في أفق إعادة بناء الثقة بين المواطن والعمل السياسي والمؤسساتي.
Views: 38

