أخباري ـ أمين الكردودي
تحولت مدينة بولونيا الإيطالية، خلال الساعات الماضية، إلى مسرح لمواجهات عنيفة عقب خروج آلاف المحتجين للمطالبة بكشف الحقيقة في قضية وفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فقير، الذي توفي أثناء تدخل أمني للشرطة الإيطالية، في واقعة أثارت موجة واسعة من الغضب داخل الأوساط الحقوقية والإعلامية، وأعادت إلى الواجهة النقاش حول حدود استخدام القوة من قبل أجهزة إنفاذ القانون.

وانطلقت المسيرة الاحتجاجية، التي دعا إليها عمدة مدينة بولونيا، في أجواء اتسمت بالسلمية، حيث رفع المشاركون شعارات تطالب بإجراء تحقيق شفاف ومستقل يحدد المسؤوليات ويكشف ملابسات الوفاة. غير أن الأوضاع سرعان ما خرجت عن السيطرة بعد اندلاع مواجهات بين عدد من المحتجين وقوات الأمن، لتتحول شوارع المدينة إلى بؤر للتوتر والفوضى.
ووفق ما أوردته وسائل إعلام إيطالية، أقدم محتجون على إضرام النار في عدد من السيارات، وإلحاق أضرار بممتلكات عامة، وتخريب حاويات للنفايات، بينما تدخلت قوات الشرطة باستعمال الهراوات والغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه في محاولة لتفريق المحتجين واستعادة النظام.
وأسفرت المواجهات عن تسجيل إصابات في صفوف المتظاهرين وعناصر الأمن، في وقت ظلت فيه الحصيلة الرسمية محل تباين. فبينما تحدثت السلطات عن إصابات وصفتها بالطفيفة، أعلنت إحدى نقابات الشرطة الإيطالية أن العشرات من رجال الأمن أصيبوا بجروح متفاوتة الخطورة نتيجة تعرضهم للرشق بالحجارة والزجاجات والألعاب النارية.

وفي خضم هذا التصعيد، حرصت عائلة الراحل عبد الرحيم فقير على النأي بنفسها عن أعمال العنف، مؤكدة في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية أن مطلبها الوحيد يتمثل في كشف الحقيقة كاملة ومحاسبة كل من يثبت تورطه، عبر المساطر القضائية، بعيداً عن أي أعمال تخريب أو مواجهات قد تحرف الأنظار عن جوهر القضية.
من جهته، شدد محامي الأسرة على أن أحداث الشغب لا تخدم مسار العدالة، بل قد تؤثر سلباً على القضية الأساسية، داعياً إلى ترك المجال أمام القضاء الإيطالي لمباشرة تحقيق مستقل وشامل يكشف جميع الملابسات المرتبطة بوفاة الضحية.
ولم تتوقف أصداء القضية عند حدود بولونيا، بل امتدت إلى وسائل الإعلام الدولية التي أولت اهتماماً واسعاً للواقعة. فقد عقدت بعض المنابر الإعلامية الدولية، من بينها صحيفة أمريكية بارزة، مقارنات مع قضية الأمريكي جورج فلويد، بالنظر إلى ما تثيره الحادثتان من تساؤلات بشأن استخدام القوة أثناء التدخلات الأمنية، مع التأكيد على اختلاف السياقات القانونية والوقائع بين القضيتين.
وفي المقابل، أدان مسؤولون إيطاليون أعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات، معتبرين أن التخريب والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة لا يخدمان مطلب العدالة، بل يسهمان في تعقيد المشهد وتأجيج الاحتقان، مؤكدين أن التحقيق القضائي سيظل الإطار القانوني الوحيد لتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية.
وتضع هذه التطورات السلطات الإيطالية أمام اختبار حقيقي في إدارة واحدة من أكثر القضايا حساسية خلال الفترة الأخيرة، حيث تتقاطع المطالب الشعبية بكشف الحقيقة مع ضرورة الحفاظ على الأمن العام واحترام سيادة القانون. وبين غضب الشارع، وتمسك أسرة الضحية بخيار العدالة، وترقب الرأي العام لنتائج التحقيق، تبقى الأنظار موجهة نحو القضاء الإيطالي، باعتباره الجهة المخولة لكشف الحقيقة وإنصاف الضحية، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويكرس مبدأ عدم الإفلات من المساءلة.
Views: 7

