أكدت ندوة سياسية عقدت بمشاركة نخبة من الصحفيين والإعلاميين والكتاب والشخصيات السياسية أن نظام ولاية الفقيه يواجه أخطر مراحله منذ تأسيسه، في ظل تصاعد أزماته الداخلية، واتساع الانقسامات داخل هرم السلطة، وتنامي دور المقاومة الإيرانية باعتبارها القوة المنظمة القادرة على قيادة عملية التغيير الديمقراطي في إيران.
وفي مستهل الندوة، أشار مدير الجلسة، مهدي عقبائي، إلى استمرار موجة الإعدامات التي ينفذها النظام، مستعرضا أحدث بيانات المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية التي وثقت إعدام عشرات السجناء خلال الأيام الماضية، بينهم الشاب مهدي خانكي، أحد أنصار منظمة مجاهدي خلق، إلى جانب التحذير من الخطر المحدق بحياة أمير حسن أكبري منفرد، المنتمي إلى عائلة قدمت أربعة شهداء في نضالهم ضد النظام.
وأكد أن هذه الحملة الدموية ليست سوى دليل جديد على حجم الرعب الذي يعيشه النظام من اتساع دائرة الغضب الشعبي واقتراب انتفاضة جديدة، مشيرا إلى أن النظام بات يعتمد سياسة الإعدامات الجماعية كوسيلة أخيرة لإطالة عمره السياسي.
وتطرقت الندوة كذلك إلى سلسلة الاجتماعات الدولية التي عقدتها المقاومة الإيرانية في إيطاليا بحضور السيدة مریم رجوي رئیسة الجمهوریة المنتخبة من قبل المقاومة الإيرانیة وبمشاركة شخصيات برلمانية وسياسية من أوروبا والولايات المتحدة، والتي أكدت دعمها لحق الشعب الإيراني في إسقاط الدكتاتورية الدينية، وتأييدها لتشکیل الحکومةالمؤقتة من قبل المجلس الوطني للمقاومةالإیرانیة علی اساس خطة النقاط العشر التي طرحتها السیدة رجوي لإقامة جمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة والمساواة ورفض السلاح النووي.
وفي مداخلته الرئيسية، استعرض الدكتور سنابرق زاهدي، رئيس لجنة القضاء في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، محطات تاريخية اعتبرها شاهدا على استمرار نضال الشعب الإيراني، بدءا من انتفاضة 21 يوليو 1952 ضد حکم الشاه ودعما للدكتور محمد مصدق، مرورا بتأسيس المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية عام 1981، ووصولا إلى مجزرة عام 1988 التي أعدم خلالها النظام نحو ثلاثين ألف سجين سياسي من أعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق، في واحدة من أبشع الجرائم السياسية في التاريخ المعاصر.
وأكد زاهدي أن التجارب الممتدة لأكثر من أربعة عقود أثبتت أن سياسة المساومة مع نظام ولاية الفقيه قد فشلت بالكامل، كما أثبتت أن الضربات العسكرية الخارجية، رغم تأثيرها، لا يمكن أن تحقق التغيير المنشود، لأن إسقاط النظام يبقى مهمة الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.
وأوضح أن المقاومة الإيرانية تمكنت خلال السنوات الأخيرة من ترسيخ حضورها الميداني عبر وحدات المقاومة التي تواصل نشاطها في مختلف المحافظات الإيرانية، رغم الاعتقالات والإعدامات والقمع، مشيرا إلى أن هذه الوحدات نفذت مئات العمليات ضد مراكز الحرس والباسيج، وأصبحت تشكل، إلى جانب الانتفاضات الشعبية، المعادلة التي يخشاها النظام أكثر من أي تهديد آخر.
وفي معرض حديثه عن الأوضاع الداخلية، أشار زاهدي إلى أن النظام يعيش أزمة اقتصادية خانقة، انعكست في انهيار العملة الوطنية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، بينما تتسع رقعة الاحتجاجات الاجتماعية والإضرابات العمالية، في وقت يعترف فيه كبار مسؤولي النظام أنفسهم بخطر الانفجار الشعبي.
واستشهد بتصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس النظام مسعود بزشكيان التي تعكس حجم القلق داخل السلطة من عودة الانتفاضات الشعبية وخروج الأوضاع عن السيطرة. لأن عراقجي صرّح بأن مدینة مشهد- ثاني مدینة في إیران ـ قد سقطت لساعات خلال انتفاضة ینایر من هذا العام. کما أن بزشکیان قال أن مهمته الرئیسیة هي منع حدوث انتفاضة جدیدة ضد النظام.
وفي الملف السياسي، أكد زاهدي أن النظام يشهد انقساما غير مسبوق بين تيار يدفع نحو التفاوض مع الولايات المتحدة لتخفيف الضغوط، وآخر يرفض أي تنازل ويعتبره بداية لانهيار النظام، معتبرا أن هذا الصراع يعكس فقدان النظام لمرجعيته بعد غياب علي خامنئي، وعجز مجتبى خامنئي عن ملء الفراغ السياسي والديني الذي خلفه والده.
وعلى المستوى الإقليمي، رأى أن سياسات النظام العدوانية تجاه دول المنطقة، واستهدافها بالصواریخ والمسیّرات لم یبق أي شک بأن هذا النظام لا یعترف بأي أساس من أسس التعایش والمبادي الدولیة والمعاییر الإنسانیة. ولا یدخر أی جهد لاستمراره في تصدير الأزمات ودعم الميليشيات المسلحة ووکلائه في المنطقة.
کما أن إدراج قوات الحرس على قوائم الإرهاب في الاتحاد الأوربي و بریطانیا عدد یعدّ تطورا سياسيا يعكس تراجع مكانة النظام دوليا.
واختتمت الندوة بالتأكيد على أن التطورات الداخلية والإقليمية والدولية تشير إلى أن نظام ولاية الفقيه دخل مرحلة استنزاف تاريخية يصعب الخروج منها، وأن البديل الديمقراطي الذي يمثله المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بات يحظى بحضور دولي متنام، في وقت تتسع فيه داخل إيران دائرة المقاومة الشعبية الرافضة للاستبداد، بما يجعل التغيير الديمقراطي أقرب من أي وقت مضى.
وفي ختام الندوة، فتح باب المداخلات والأسئلة أمام المشاركين، حيث طرح الدكتورمُحمد فرج الله رئيس تحرير وكالة أوكرانيا بالعربية والأمين العام للمجلس العربي في أوكرانيا،عددا من التساؤلات بشأن آفاق العلاقات الممكنة بين أوكرانيا والمقاومة الإيرانية، مشيرا إلى أن أوكرانيا تعد النظام الإيراني طرفا في الحرب الدائرة ضدها بسبب تزويده روسيا بالطائرات المسيرة التي استخدمت في استهداف الأراضي الأوكرانية.
من جانبه، علق الكاتب والصحفي نزار جاف على ملاحظة الدكتور زاهدي بشأن تجاهل المجتمع الدولي للدور المحوري الذي تؤديه المقاومة الإيرانية في مسار التطورات داخل إيران، رغم أنها كانت، على الدوام، الخصم الرئيسي والأكثر تأثيرا ضد النظام. واستشهد في هذا السياق بالتجمع السنوي للتضامن مع الشعب الإيراني الذي نظمته المقاومة الإيرانية في باريس عام 2018، وشارك فيه أكثر من ألف شخصية سياسية من مختلف أنحاء العالم، إلى جانب وفود من عدد من الدول العربية، بينها مصر والأردن وفلسطين وتونس واليمن، فضلا عن مشاركة أكثر من مائة ألف إيراني قدموا من مختلف بلدان العالم.
وأشار جاف إلى أن هذا التجمع أثار رد فعل غاضبا من جانب النظام الإيراني، الذي بادر، بحسب ما ذكر، إلى إجراء اتصالات واحتجاجات رسمية على أعلى المستويات، شملت رئيس النظام ووزير خارجيته آنذاك، اعتراضا على انعقاد المؤتمر. وتساءل: إذا كان مجرد عقد مؤتمر بهذا الحجم قد أثار كل هذا القلق لدى النظام، فكيف سيكون موقفه لو حظيت المقاومة الإيرانية باعتراف دولي وإقليمي بوصفها ممثلا للشعب الإيراني؟ مؤكدا أن مثل هذا الاعتراف من شأنه أن يغير بصورة جوهرية موازين القوى والمعادلة السياسية داخل إيران، وداعيا المجتمع الدولي إلى الاعتراف بالمقاومة الإيرانية ممثلا شرعيا لتطلعات الشعب الإيراني.
كما طرح نوري آل حمزة، المحلل السياسي الأهوازي والخبير في الشأن الإيراني، عددا من الأسئلة، من بينها سبب اقتصار مشروع الحكم الذاتي الذي طرحه المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية على الأكراد، متسائلا عن سبب عدم شموله بقية القوميات الإيرانية، ومقترحا تطوير هذا المشروع إلى صيغة فدرالية أو كونفدرالية.
وفي رده، أوضح الدكتور زاهدي أن مشروع الحكم الذاتي الذي أعلنه المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية لا يقتصر على الأكراد، بل يشمل جميع القوميات الإيرانية. أما فيما يتعلق بالفدرالية أو الكونفدرالية، فأكد أن البت في شكل نظام الحكم المستقبلي ليس من صلاحيات المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وإنما هو قرار سيادي يعود إلى الشعب الإيراني، يحسم بعد انتهاء المرحلة الانتقالية المحددة بستة أشهر، وإجراء انتخابات حرة يختار خلالها الإيرانيون النظام السياسي الذي يرونه مناسبا لبلادهم من خلال المجلس التأسیسي.
Views: 2

