تحقيق صحفي _ هشام العباسي
في السمارة، حيث تمتد الذاكرة أبعد من حدود المكان، وحيث تحتفظ الصحراء بأسرار تاريخها في الزوايا والمخطوطات وروايات الأجداد، تتشكل ملامح تحول جديد، يضع المدينة أمام سؤال يتجاوز حدود الجغرافيا: كيف يمكن لمجال ظل لقرون ملتقى للقوافل والقبائل والتقاليد الروحية أن يتحول إلى فضاء للتبادل الاقتصادي والانفتاح على العمق الإفريقي؟
على مسافة تقارب 120 كيلومتراً من مدينة السمارة، تقف زاوية الشيخ سيدي أحمد الركيبي، المعروف بـ«الليث» ودفين منطقة الحبشي، شاهدة على جانب من التاريخ الديني والاجتماعي للمنطقة. وفي اتجاه آخر، يمتد المحور الطرقي الرابط بين السمارة والحدود الموريتانية عبر أمكالة وتيفاريتي، حاملاً آمالاً جديدة في تنشيط المبادلات التجارية وخلق فرص اقتصادية للساكنة.

بين الموقعين، لا تفصل المسافات وحدها، بل قرون من التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ومع ذلك، يجمعهما خيط واحد: الإنسان الصحراوي، الذي حافظ على ذاكرته الجماعية، ويطمح اليوم إلى أن يجد مكانه في دينامية التنمية والاستثمار.
فهل تستطيع السمارة تحويل رصيدها الروحي والتاريخي إلى رافعة للسياحة الثقافية؟ وهل يشكل المعبر الحدودي المرتقب نقطة تحول في اقتصاد الإقليم؟ ثم إلى أي حد يمكن أن تنعكس المشاريع المعلنة على الحياة اليومية للسكان، ولا سيما الشباب والنساء وساكنة الجماعات القروية؟
هذه الأسئلة تشكل مدخلاً لقراءة حاضر السمارة واستشراف مستقبلها، انطلاقاً من زاوية تحفظ الذاكرة، وطريق يفتح احتمالات جديدة للتواصل والعبور.
أولاً: زاوية الشيخ سيدي أحمد الركيبي.. ذاكرة المكان وامتداد الروح
ليست الزوايا في تاريخ الصحراء المغربية مجرد فضاءات للعبادة والتعبد، بل شكلت، في مراحل مختلفة، مؤسسات دينية واجتماعية وتعليمية، ساهمت في تنظيم العلاقات بين القبائل، ونشر المعرفة الدينية، وإصلاح ذات البين، والحفاظ على تقاليد المجتمع الصحراوي.
وفي هذا السياق، تبرز زاوية الشيخ سيدي أحمد الركيبي، بمنطقة الحبشي، باعتبارها أحد المعالم المرتبطة بالذاكرة الروحية والاجتماعية للقبائل الصحراوية، وبخاصة قبائل الرقيبات، التي تحتفظ بتاريخ غني من الروابط الأسرية والقبلية والروحية الممتدة عبر المجال الصحراوي.
فالزاوية، بما تحمله من رمزية دينية وتاريخية، ليست مجرد بناء أو ضريح يقصده الزوار، وإنما فضاء تتقاطع فيه الذاكرة الشفوية والأنساب والعادات والتقاليد، وتنتقل عبره حكايات الأجيال عن رجال العلم والصلاح وأدوارهم في المجتمع.
وقد ارتبطت الزوايا الصحراوية، عبر مراحل تاريخية متعددة، بالتعليم الديني وحفظ القرآن الكريم وتداول المخطوطات، كما ساهمت في ترسيخ قيم التضامن والتكافل الاجتماعي، وفي تسوية الخلافات وفق الأعراف المحلية والمرجعيات الدينية.
ومن بين المؤسسات التقليدية التي عرفها المجتمع الصحراوي مؤسسة «آيت الأربعين»، التي ارتبطت بأشكال التنظيم والتشاور والتدبير الجماعي للشؤون القبلية، وشكلت إحدى آليات المحافظة على التوازن الاجتماعي في بيئة اتسمت تاريخياً بصعوبة الظروف الطبيعية واتساع المجال الجغرافي.
الزاوية والروابط التاريخية مع الدولة المغربية

يستحضر الحديث عن الزوايا الصحراوية أيضاً طبيعة العلاقات التاريخية التي جمعت القبائل الصحراوية بالسلاطين المغاربة، من خلال الروابط الدينية والسياسية والاجتماعية، وما ارتبط بها من تقاليد البيعة والتواصل بين مراكز السلطة والقيادات المحلية.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية دراسة الزيارات والتحركات السلطانية في القرن التاسع عشر، ومنها تحركات السلطان المولى الحسن الأول، لفهم طبيعة الحضور السياسي والديني للدولة المغربية وعلاقاتها بالمجالات الصحراوية.
غير أن قراءة هذه المرحلة لا تكتمل إلا بالعودة إلى الوثائق التاريخية والمراسلات والمخطوطات والروايات المحلية، ومقارنتها بالدراسات الأكاديمية، بما يسمح بالتمييز بين الوقائع الثابتة والتفسيرات المختلفة للأحداث.
وتكتسب زاوية الشيخ سيدي أحمد الركيبي أهميتها كذلك من قدرتها على إبقاء جانب من هذه الذاكرة حياً، في مجتمع ما زالت فيه الرواية الشفوية تشكل مصدراً مهماً لمعرفة الماضي.
التراث الروحي.. من الحفظ إلى التثمين لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم لا يتعلق بالماضي وحده.
فإذا كانت الزاوية قد حافظت على حضورها الرمزي والاجتماعي، فإلى أي حد جرى تحويل هذا الرصيد إلى مشروع ثقافي وتربوي وسياحي قادر على خدمة المنطقة؟
إن تثمين هذا الموروث يقتضي التفكير في توثيق المخطوطات المتاحة، وجمع الروايات الشفوية، وإعداد مسارات للزيارة الثقافية، والتعريف بتاريخ الزاوية وشخصياتها وأدوارها، مع احترام خصوصيتها الدينية والاجتماعية.
كما يمكن أن يشكل إشراك الباحثين والمهتمين بالتراث والفاعلين المحليين خطوة أساسية نحو حماية الذاكرة من الضياع، وتحويلها إلى مورد معرفي تستفيد منه الأجيال الجديدة.
فالتراث لا يحافظ على قيمته بمجرد الاحتفاء به في المناسبات، وإنما حين يصبح موضوعاً للبحث والتوثيق والتربية والتعريف المسؤول.
ثانياً: طريق السمارة نحو موريتانيا.. مشروع للربط أم بداية تحول اقتصادي؟
على الطرف الآخر من هذه الحكاية، تتجه الأنظار إلى المشروع الطرقي الرابط بين السمارة والحدود الموريتانية عبر جماعتي أمكالة وتيفاريتي، في اتجاه منطقة بئر أم كرين شمال موريتانيا.
ويمثل هذا المحور أحد مشاريع فك العزلة وتعزيز الربط الطرقي في الإقليم، كما يندرج ضمن الاهتمام المتزايد بتطوير البنيات التحتية بالأقاليم الجنوبية للمملكة.
وتفيد المعطيات المعلنة في فبراير 2025 بأن المشروع يمتد على طول 93 كيلومتراً، عبر الطريقين الوطنيين رقم 17 و17 ب، بغلاف مالي إجمالي يناهز 49,72 مليون درهم، وبعرض طرقي يبلغ ستة أمتار.
وكانت نسبة تقدم الأشغال الإجمالية قد تجاوزت 95 في المائة، وفق التصريحات الصادرة عن المسؤول الإقليمي عن قطاع التجهيز والنقل واللوجستيك بالسمارة خلال تلك الفترة.
وتكشف هذه الأرقام عن حجم الاستثمار في تحسين الربط الطرقي، لكنها تفتح في الوقت نفسه أسئلة تتعلق بالمرحلة التالية: ما الوضع النهائي للأشغال؟ وما الشروط التقنية والإدارية اللازمة لافتتاح معبر حدودي رسمي؟ وما طبيعة التنسيق المطلوب بين الجانبين المغربي والموريتاني لتنظيم حركة الأشخاص والبضائع؟
فالطريق المعبدة، مهما بلغت أهميتها، لا تتحول تلقائياً إلى معبر تجاري دولي. ذلك أن تشغيل المعابر الحدودية يستلزم ترتيبات قانونية وأمنية وجمركية ولوجستية، إلى جانب توفير الخدمات والمرافق الضرورية لضمان سلامة التنقل وانتظام المبادلات.
من فك العزلة إلى الانفتاح على الأسواق الإفريقية
تكمن الأهمية المحتملة لهذا المشروع في موقعه الجغرافي، إذ يمكن أن يتيح، في حال استكمال شروط تشغيل المعبر، مساراً إضافياً للتواصل البري بين المغرب وموريتانيا.
ومن شأن هذا الربط أن يوفر فرصاً جديدة للفاعلين الاقتصاديين، ولا سيما في قطاعات النقل والخدمات والتجارة، وأن يساهم في تعزيز المبادلات مع الأسواق الموريتانية وبعض الأسواق الإفريقية.
غير أن قياس هذه المكاسب يظل مرتبطاً بمعطيات عملية، من بينها حجم الحركة التجارية المرتقبة، والمسافات الفعلية التي يمكن اختصارها، وكلفة النقل، وطبيعة السلع المتبادلة، ومدى جاهزية البنيات والخدمات المواكبة.
فالمعبر الناجح لا يقاس فقط بعدد الكيلومترات المعبدة، وإنما بقدرته على خلق قيمة اقتصادية محلية، وتوفير خدمات منتظمة، وتحفيز الاستثمار، وربط المناطق المستفيدة بشبكات إنتاج وتوزيع أوسع.
السمارة في سياق الانفتاح الإفريقي
يأتي هذا المشروع في سياق توجه مغربي أوسع نحو تعزيز التعاون جنوب–جنوب، وتطوير المبادلات مع الدول الإفريقية، والاستفادة من الموقع الجغرافي للأقاليم الجنوبية بوصفها مجالاً للتواصل بين المغرب وعمقه القاري.
كما يلتقي، من حيث الأهداف العامة للربط والتكامل الاقتصادي، مع التوجهات الاستراتيجية للمبادرة الملكية الرامية إلى تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي.
لكن الربط بين المبادرات الكبرى والمشاريع المحلية يحتاج إلى رؤية واضحة تحدد الوظائف الاقتصادية لكل مشروع، وآليات تكامله مع بقية شبكات النقل والتجارة.
وبالنسبة إلى السمارة، يطرح ذلك تحدياً أساسياً: كيف تتحول المدينة من مجال يستفيد من مرور الحركة التجارية إلى مركز قادر على احتضان أنشطة اقتصادية مرتبطة بهذا المرور؟
ثالثاً: شباب السمارة.. من انتظار الفرص إلى المشاركة في صناعتها
إذا كانت الزاوية تحفظ جانباً من الذاكرة الجماعية، وكان الطريق يفتح احتمالات جديدة للتنمية، فإن الإنسان يظل العنصر الحاسم في نجاح هذا التحول.
فالشباب، الذين يشكلون قوة حيوية في المجتمع المحلي، لا ينتظرون من المشاريع الكبرى مجرد تحسين صورة المدينة أو تعزيز مكانتها الجغرافية، بل يتطلعون إلى فرص ملموسة للتشغيل والتكوين والمبادرة الاقتصادية.
وقد تتيح الدينامية المرتبطة بالربط الحدودي مجالات واعدة لإنشاء مقاولات صغيرة ومتوسطة، خاصة في خدمات النقل والصيانة والتخزين والإيواء والمطاعم والتجارة.
كما يمكن أن تفتح آفاقاً أمام التعاونيات والمنتجين المحليين، من خلال تحسين الوصول إلى الأسواق وتطوير أنشطة تثمين المنتجات المجالية.
غير أن هذه الفرص لن تتحقق بصورة تلقائية.
فاستفادة شباب السمارة منها تقتضي توفير تكوينات مهنية ملائمة، ومواكبة حاملي المشاريع، وتيسير الولوج إلى التمويل، وتحسين مناخ الاستثمار، وإشراك المقاولات المحلية في الدينامية الاقتصادية المرتقبة.
التنمية الحقيقية تبدأ من حياة السكان
في مثل هذه المشاريع، تبرز ضرورة الانتقال من الحديث عن حجم الاستثمارات إلى تقييم أثرها الاجتماعي.
فما الذي يمكن أن يتغير في حياة سكان أمكالة والمناطق المجاورة؟ وهل ستساهم البنيات الجديدة في تحسين الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية؟ وهل ستوفر فرصاً حقيقية للنساء والشباب؟ وما نصيب المقاولات المحلية من الأنشطة الاقتصادية المنتظرة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تشكل معياراً أساسياً للحكم على نجاح المشروع.
فالتنمية لا تختزل في إنشاء الطرق والمنشآت، على أهميتها، وإنما تقاس أيضاً بقدرتها على تحسين شروط العيش، وتقليص الفوارق المجالية، وتوفير فرص عادلة للاستفادة من الثروة والاستثمار.
وبذلك، تصبح مشاركة السكان والمنتخبين والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني جزءاً من شروط نجاح التحول، لا مجرد عنصر مكمل له.
رابعاً: السياحة الثقافية والروحية.. رصيد ينتظر التثمين
إلى جانب الرهانات التجارية واللوجستية، تتوفر السمارة على مؤهلات ثقافية وطبيعية يمكن أن تشكل قاعدة لتطوير عرض سياحي متنوع.
فالزوايا والمواقع التاريخية والنقوش الصخرية، ومنها موقع لغشيوات، تمثل عناصر مهمة في التعريف بالعمق الحضاري للمنطقة، كما توفر البيئة الصحراوية إمكانات لتطوير سياحة الاكتشاف والمغامرة والتعرف على أنماط العيش المحلية.
وفي هذا السياق، يمكن لزاوية الشيخ سيدي أحمد الركيبي أن تكون إحدى محطات مسار ثقافي وروحي أوسع، يربط بين الذاكرة الدينية والتاريخ الاجتماعي والطبيعة الصحراوية.
غير أن الانتقال من امتلاك المؤهلات إلى بناء وجهة سياحية يتطلب استثمارات في التهيئة والاستقبال والإرشاد والتعريف بالمواقع، إلى جانب حماية التراث الطبيعي والأثري من الاستغلال غير المنظم.
كما تبرز أهمية تطوير البنيات الموازية، ومنها المحطة الطرقية ومرافق النقل الجوي، في تحسين الولوج إلى الإقليم وتعزيز جاذبيته.
وتبقى فعالية هذه المشاريع مرتبطة بمدى إنجازها وتشغيلها، وتكاملها مع رؤية سياحية واضحة، قادرة على استقطاب الزوار وإحداث منافع اقتصادية واجتماعية للسكان.
فالسياحة المستدامة لا تقوم على استهلاك التراث، بل على حمايته وإشراك المجتمعات المحلية في تثمينه والاستفادة من عائداته.
خامساً: بين الوعود والتحديات.. أي مستقبل ينتظر السمارة؟
رغم ما تفتحه المشاريع الجديدة من آفاق، فإن التحول الاقتصادي للسمارة يظل رهيناً بجملة من التحديات التي لا يمكن تجاهلها.
وفي مقدمتها ضرورة ضمان استمرارية صيانة البنيات الطرقية، وتوفير الخدمات الأساسية، وتطوير الكفاءات المحلية، وتحفيز الاستثمار المنتج، وتحقيق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي والمحافظة على البيئة الصحراوية الهشة.
كما أن نجاح المعبر الحدودي المرتقب يتطلب تنسيقاً مؤسساتياً فعالاً، وقدرة على استقطاب حركة تجارية منتظمة، ووجود منظومة خدمات تجعل من السمارة مركزاً للاستفادة الاقتصادية، وليس مجرد نقطة مرور.
أما على المستوى الثقافي، فيبرز تحدي حماية الذاكرة المحلية من الاندثار، من خلال توثيق التاريخ الشفوي وصيانة المواقع الأثرية والدينية، وتشجيع البحث العلمي حول تاريخ المنطقة.
وهنا تتقاطع المسارات من جديد: فالتنمية التي تتجاهل الإنسان والذاكرة معرضة لفقدان عمقها الاجتماعي، كما أن التراث الذي لا يجد من يصونه ويوثقه قد يفقد تدريجياً جزءاً من حضوره في حياة الأجيال الجديدة.
خاتمة: السمارة.. حين يصبح الماضي جسراً نحو المستقبل
بين زاوية الشيخ سيدي أحمد الركيبي، بما تختزنه من رمزية روحية واجتماعية، والطريق المتجه نحو الحدود الموريتانية، بما يحمله من احتمالات اقتصادية وتنموية، تتجسد ملامح مرحلة جديدة في مسار السمارة.
إنها مدينة تقف عند تقاطع الذاكرة والطموح؛ تستحضر تاريخها دون أن تتوقف عنده، وتتطلع إلى المستقبل دون أن تتنكر لجذورها.
لكن الرهان الحقيقي لا يكمن في إنجاز البنيات التحتية وحدها، ولا في الاحتفاء بالموروث التاريخي فحسب، بل في قدرة الفاعلين على تحويل هذه الإمكانات إلى تنمية ملموسة، يشعر بها المواطن في فرص العمل وجودة الخدمات وتحسن ظروف العيش.
فالمعبر الحدودي قد يفتح الطريق أمام التجارة والاستثمار، والزاوية قد تفتح أبواباً أوسع لفهم التاريخ والهوية، غير أن الإنسان يظل الغاية الأولى لكل مشروع تنموي.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يرافق مستقبل السمارة ليس فقط: متى يفتح المعبر؟ أو كيف نحافظ على الزاوية؟
بل سؤال أعمق وأكثر ارتباطاً بحياة الناس:
كيف نجعل من ذاكرة السمارة وموقعها الجغرافي ومؤهلات أبنائها مشروعاً متكاملاً للتنمية، يربط أصالة الماضي بفرص المستقبل؟
هناك، تحديداً، يبدأ الامتحان الحقيقي لمدينة تطمح إلى أن تجعل من عمقها التاريخي قوة، ومن موقعها الصحراوي جسراً نحو إفريقيا.
Views: 3

