ليبيا ـ ايمن صالح
تشهد الساحة الليبية حالة من الجدل السياسي المتصاعد، عقب الحديث عن اتفاق بين حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة في المنطقة الشرقية، في ظل ما بات يُعرف بـ”صفقة بولس”، التي أثارت موجة رفض واسعة في عدة مدن، خاصة في مصراتة وطرابلس والزاوية .
هذا الرفض لم يأتِ من فراغ، بل يعكس حالة من القلق الشعبي تجاه أي ترتيبات سياسية تُفرض من الخارج أو تُصاغ بعيداً عن إرادة الليبيين. حيث عبّرت أصوات سياسية ومجتمعية عن رفضها القاطع لما وصفته بـ”الصفقات المشبوهة”، التي قد تعيد البلاد إلى مربع الانقسام أو تكرّس واقعاً سياسياً لا يعبر عن تطلعات الشعب.
أول ملامح هذا الرفض يتمثل في رفض حكم العسكر، حيث يؤكد العديد من النشطاء والفاعلين أن ليبيا دفعت ثمناً باهظاً خلال السنوات الماضية، ولا يمكن القبول بإعادة إنتاج أي شكل من أشكال الحكم العسكري تحت أي غطاء سياسي. فالدولة التي يسعى إليها الليبيون هي دولة مدنية، تقوم على التداول السلمي للسلطة، لا على فرض الأمر الواقع بالقوة.
كما برز موقف واضح برفض الحلول والصفقات المعلبة خارجياً، حيث يرى الرافضون أن التدخلات الدولية، رغم ما قد تحمله من نوايا معلنة لدعم الاستقرار، غالباً ما تتجاهل التعقيدات الداخلية، وتؤدي إلى فرض حلول مؤقتة لا تصمد طويلاً. ويشدد هؤلاء على أن أي اتفاق لا ينبع من الداخل الليبي، ولا يُبنى على توافق وطني حقيقي، مصيره الفشل.
وفي المقابل، يتمسك الشارع الليبي بخيار الدولة المدنية، دولة الدستور والقانون، كمسار وحيد لبناء مؤسسات قوية ومستقرة. هذا التوجه يعكس رغبة حقيقية في إنهاء المراحل الانتقالية المتكررة، والانتقال نحو نظام سياسي واضح يستند إلى شرعية شعبية عبر الانتخابات.
ويرى مراقبون أن ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل هو صراع بين مشروعين: مشروع الدولة المدنية الديمقراطية، ومشروع إعادة إنتاج السلطة عبر ترتيبات غير توافقية. وفي هذا السياق، يصبح صوت الشارع عاملاً حاسماً في رسم ملامح المرحلة القادمة.
في الختام، تبقى الرسالة الأبرز من هذا الحراك واضحة: لا لحكم العسكر، لا للصفقات المفروضة، نعم لدولة مدنية يحكمها الدستور والقانون. وبين هذه الثوابت، يواصل الليبيون سعيهم نحو مستقبل أكثر استقراراً وعدالة.
Views: 3

