يشهد ملف الصحراء المغربية في الفترات الأخيرة تطورات ميدانية ودبلوماسية متسارعة تعيد رسم ملامح الصراع على رقعة الشطرنج الأممي، لاسيما بعد السخونة غير المسبوقة التي طبعت جلسات مجلس الأمن الدولي وما رافقها من استخدام متبادل لحق النقض الفيتو بين القوتين العظميين، الأمريكية والروسية، إثر إسقاط مشروع القرار الأمريكي المتعلق بتمديد ولاية بعثة المينورسو. هذا الاصطدام الدبلوماسي الحاد، وإن بدا في ظاهره أزمة إجرائية تهدد بفراغ قانوني في هيكلة البعثة الأممية، إلا أنه ينطوي في عمق القراءات الجيوسياسية على تحولات جذرية قد تعصف بالخيارات التقليدية التي عمرت لعقود وتفتح الباب أمام مقاربات مغربية أكثر حزماً واستباقية.
من الناحية الواقعية، لم يعد الخيار الدبلوماسي التقليدي القائم على تدبير الأزمات بالبالونات التكتيكية كافياً لمواكبة حجم الدينامية والدعم الدولي المتزايد الذي حظيت به مبادرة الحكم الذاتي المغربية كأساَس وحيد جاد وقابل للتطبيق. ولقد أظهرت المرافعة الأمريكية الأخيرة في مجلس الأمن، على لسان ممثلها، إقراراً صريحاً بتعثر وخيار الاستفتاء الذي تجاوزه الزمن منذ تسعينيات القرن الماضي، وهو ما يعكس قناعة دولية متنامية بعدم السماح ببقاء الوضع القائم رهيناً لحالة الجمود السياسي المفتعل. وفي هذا السياق، يبدو أن الموقف المغربي، المستند إلى شرعية التاريخ والسيادة والوجود الميداني، قد بلغ مرحلة لم يعد فيها مستعداً لرهن مصير وحدته الترابية بين تجاذبات الأجندات الإقليمية والدولية العابرة، خصوصاً في ظل التعنت المستمر للأطراف الأخرى ورفضها الانخراط الجاد في مسار تسوية واقعي.
على الصعيد الميداني والإقليمي، تتقاطع هذه التطورات مع سياقات أوسع ترتبط بإعادة التموضع الاستراتيجي في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، حيث تتشابك خيوط التحالفات الإقليمية والدولية بشكل معقد، لتبرز بوضوح حالة التخادم بين الأجندات الضيقة وبعض التحركات العسكرية والدبلوماسية التي تسعى عبثاً لعرقلة المسار السيادي للمغرب. غير أن صانع القرار في رباط الحصون أثبت مراراً قدرته على قراءة موازين القوى بحنكة عالية، متسلحاً بنهج يجمع بين مد يد السلام والتسوية السياسية العادلة وبين الجاهزية التامة لاتخاذ قرارات سيادية جريئة ومسؤولة تحمي المصالح العليا للبلاد وتفرض واقعاً جغرافياً وأمنياً لا رجعة فيه على طول الحدود والمنطقة برمتها.
إن مآلات هذا المخاض الدبلوماسي الحالي تؤشر بوضوح إلى أن المنتظم الدولي بات ملزماً بتحمل تبعات صم آذنيه طويلاً عن الحقائق التاريخية والقانونية للصحراء المغربية. فالمغرب، الذي أبان عن صبر استراتيجي لسنوات طويلة، يسير بخطى ثابتة نحو تكريس سيادته الكاملة والمطلقة على كافة ربوع ترابه الوطني، مستنداً إلى إجماع وطني راسخ ودعم قاري ودولي واسع، مما يجعل أي رهان على تعطيل مسار التنمية والاستقرار في المنطقة رهاناً خاسراً ومحكوماً بالفشل أمام صلابة الحقوق المغربية ودينامية الميدان التي لا تقبل التراجع.
Views: 2
